4 -وأخيرًا، فقول الصحابي على فرض ثبوت حجيته ليس إلا دليلًا ظنيًّا بالمفهوم الكلامي، واستعمال الدليل الظني في المسائل العملية ممنوع عند المتكلمين، كما سيرد تفصيله فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
ومع وضوح الاعتبارات السابقة، التي تقطع بعدم حجية أقوال الصحابة كدليل معتمد في إثبات المسائل العقدية، فإن هذا لا يعني نفي أي استخدام أو استشهاد بها في استدلالات متكلمي المذهبين، وهناك شواهد كثيرة تدل على أنهم أوردوها في كتبهم لأحد أمرين؛ إما نصرة المذهب ككل، وإما بيان صحة رأيه في بعض المسائل، ولا بأس من ذكر نماذج من هذا القبيل:
(أ) حاول متأخرو المعتزلة إيجاد نوع من المشاركة بين مذهبهم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وسعوا سعيًا حثيثًا لابتكار سند مذهبي يبدأ بمؤسس المذهب واصل بن عطاء، وينتهي إلى عدد من أكابر الصحابة ومقدميهم.
ويفخر أبو القاسم البلخي بذلك السند، ويرى أن المعتزلة كطائفة لها ولمذهبها إسناد يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد من فرق الأمة مثله، وليس يمكن لخصومهم دفعهم عنه، ثم ذكر أن خصومهم يُقِرُّون باستناد مذهبهم إلى واصل بن عطاء، وأن واصلًا يسنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب، وابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، وأن محمدًا أخذه عن أبيه علي، وأن عليًّا أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1272) .
وتتكرر المحاولة نفسها عند معتزلة آخرين؛ كابن المرتضى (1273) ، ونشوان الحميري (1274) مع اختلاف طفيف؛ حيث يصبح الحسن البصري بديلًا عن محمد بن علي بن أبي طالب.
وقد أرجع بعض الباحثين (1275) هذه الحبكة الإسنادية إلى الشيعة حين دخل الكثير منهم مذهب الاعتزال في القرن الرابع الهجري، ومما يؤكد مثل هذا الاحتمال أن حلقات الإسناد تدور حول أئمة أهل البيت حتى تنتهي إلى إمام الشيعة الأول علي رضي الله عنه.
ومن المفارقات الغريبة أن أسانيد التشيع، والاعتزال، والتصوف تصل في آخرها إلى علي رضي الله عنه، في محاولة لإضفاء الصبغة الشرعية على أفكارها، مع التفاوت الواضح في المنهج