فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 584

والمشرب بين الاعتزال بعقلانيته الواضحة والتصوف القائم على الذوق والكشف، والتشيع المبني على التسليم الكامل للإمام المعصوم، وشيوع الأفكار الباطنية!

وتأخذ المسألة بُعدًا آخر فلا يُكتفى بعلي رضي الله عنه وحده، بل يُضاف إليه ثلة من أفاضل الصحابة وعلمائهم، فيصير الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وكذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، والحسين رضوان الله عليهم- من المعتزلة، بل من طبقاتهم الأولى (1276) .

وكأنه لا يكفي العدد المذكور، فلا بد أن يكون الصحابة كلهم من المعتزلة، وهذا ما صرَّح به معتزليٌّ اسمه محمد بن يزداد الأصبهاني؛ حيث قال: «المعتزلة الأولى هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يدًا واحدة يتولى بعضهم بعضًا، واتفقوا على هذه الأصول» (1277) .

وزاد القاضي عبد الجبار الكلام تأكيدًا فصرح بأن الأصول الخمسة التي عليها أصحابه جملة لا اختلاف فيها، وهي التي مضى عليها النبي عليه السلام وأصحابه، إلى أن حدث من الخلاف ما حدث، وهو الذي نطق به الكتاب، ووردت به السُّنَّة، ومضى عليه السلف الأول (1278) ، ولا يقتصر الأمر على السلف الأول وحدهم؛ بل يُضاف إليهم الخلف حتى يصير المذهب محل إجماع بين المسلمين سلفًا وخلفًا، وهذا ما عبر عنه القاضي بقوله: «مذهب المعتزلة هو الذي يقتضيه العقل، والكتاب، والسُّنَّة، وهو الذي مرَّ عليه السلف والخلف» (1279) .

(ب) وإذا كانت المحاولات السابقة يُقصد بها نُصرة المذهب ككل، فثمة محاولات أخرى لنصرة الآراء الجزئية؛ حيث اهتم عدد من أئمة الاعتزال بإثبات موافقة الصحابة لمذهبهم، سواء في الأصول الكبار أو المسائل الفرعية، فالتوحيد والعدل -أصلا المذهب الأساسيان- مأخوذان من أقوال علي وخطبه؛ كما يقول الشريف المرتضى، وهي تتضمن من ذلك ما لا مزيد عليه ولا غاية وراءه (1280) .

والمنزلة بين المنزلتين -كما يزعمون- تعود جذورها الأولى، وتَمُتُّ بسبب وثيق إلى علي رضي الله عنه وسائر الصحابة، ولا سيما سيرة علي العملية، وكيفية تعامله مع البغاة، ففيها أوضح نموذج للتطبيق الحقيقي لهذا المبدأ الاعتزالي، حتى أن القاضي عبد الجبار يقول: «واعلم أن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت