فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 584

المذهب مأخوذ عن أمير المؤمنين علي عليه السلام خاصة، وعن الصحابة والتابعين عامة؛ ولهذا قال أبو حنيفة: لولا سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في أهل البغي ما كنا نعرف أحكامهم» (1281) .

وعلى نفس المنوال تصبح رؤية الله تعالى في الآخرة أمرًا محالًا عند علي وسائر الصحابة، ومع أن الآثار متواترة عنهم في إثباتها؛ لكن المعتزلة يقلبون الأمور رأسًا على عقب، ويتحول الصحابة من مُثْبتين للرؤية إلى نفاة ومنكرين لها، ويصير كما يقول القاضي من المعلوم «من حال أمير المؤمنين علي عليه السلام وكبار الصحابة أنهم كانوا ينفون الرؤية عن الله تعالى، وأنت إذا نظرت في خطب أمير المؤمنين وجدتها مشحونة بنفي الرؤية عن الله تعالى» (1282) .

والصحابة من وجهة النظر الاعتزالية ليسوا إلا قدرية، مُصرِّحين بالعدل ومنكرين للجبر، وموافقين لمذهب أهل العدل -وهم المعتزلة- في هذه المسألة، ويستدلون على قدرية أبي بكر بنسبته المعاصي إلى نفسه والشيطان، لا لله سبحانه وتعالى؛ حينما قال لما سئل عن الكلالة -وهي من مسائل الميراث حين يموت الرجل، ولا والد له ولا ولد-: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان» (1283) ، وأما رأي عمر فيظهر من قطعه يد السارق، ثم جلده إياه لما احتج بالقدر، وقال معلِّقًا: «القطع للسرقة، والجلد لما كذب على الله» (1284) .

ومنشأ الجبر -في رأي المعتزلة- يعود إلى الصحابة غير العدول عندهم؛ كمعاوية رضي الله عنه، فهو أول من أظهر الجبر وقال به؛ وإنما ابتدعه ليبرر مظالمه وأخطاءه في الحكم، ويصرف غضب الناس عنه محتجًّا بأن ذلك كله من قدر الله، ثم فشا ذلك في ملوك بني أمية؛ كما يزعم أبو على الجبائي (1285) .

ولن نطيل بمناقشة المحاولات الاعتزالية السابقة، فالطابع الدعائي مسيطر عليها وموجه لها؛ لكن ما تجدر ملاحظته هو النظر في تكييف هذه المحاولات، هل تمثل سمة منهجية راسخة الجذور في البنيان الفكري للمذهب، أم لا تعدو أن تكون لونًا من العمل على نصرته، وإظهاره بصورة المعتمد على النصوص والآثار، والموصول بسلف الأمة وأئمتها، ثم مقاومة ما شاع عنه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت