صلات التقارب في الرأي مع الفلسفة اليونانية، والمذاهب غير الإسلامية، والاعتماد على الرأي المجرد دون التعويل على أقوال سلف الأمة وكبار الصحابة؟
وفي رأيي أن التعليل الثاني هو الأرجح؛ فهذه المحاولات لم تظهر إلا عند متأخري المعتزلة، ولم تكن مبدأ ثابتًا أو دعامة من دعائم المنهج الاعتزالي؛ بل جاءت لتقلل ما أمكن من الاتهامات الموجهة إليه، وتخفف من آثارها، ولم تكن بحال مصدرًا لتأسيس الآراء المتبناة من قبل المذهب؛ بل وردت للتعضيد والتأكيد فحسب.
وإذا انتقلنا إلى الأشاعرة فسنجد أن محاولة ربط المذهب وآرائه بالصحابة وسلف الأمة عمومًا- نزعة واضحة عند مؤسس المذهب أبي الحسن وتلامذته الأوائل، قبل التطور المنهجي الذي لحق بالفكر الأشعري، واقترب به من المنهج الاعتزالي والفلسفي، وقد ظهر أبو الحسن في كتابيه «الإبانة» و «رسالة أهل الثغر» واحدًا من علماء الأثر والحديث (1286) ؛ حيث عُنى بتأكيد انتسابه لهذا الاتجاه، وتبنيه لآرائه وعقائده جملةً وتفصيلًا (1287) ، كما ركز على الاستشهاد بما رُوي عن الصحابة وسلف الأمة في كل مسألة من مسائل كتابيه المذكورين (1288) .
ويؤكد السبكي (1289) على التطابق التام بين عقيدة الأشعري وعقيدة الصحابة؛ بل بلغ به الحال هو وعبد القاهر البغدادي (1290) إلى وصف الصدر الأول بأنهم على عقيدة الأشعري، وإن كان السبكي يعود فيستدرك على نفسه جاعلًا الأشعري على عقيدتهم، مناضلًا عنها، وحاميًا حوزتها من أن تنالها أيدي المبطلين أو تحريف الغالين (1291) .
ولا يخفى أن المحاولتين -الاعتزالية والأشعرية- لنسبة الصحابة إليهم تنطوي على قدر غير قليل من التعصب، والقلب لحقائق الأمور، وكان الأجدر بالفريقين أن ينسبا نفسيهما إلى الصحابة، لا أن يحدث العكس فيصير الصحابة معتزلة أو أشاعرة، مع تقدم عصر الصحابة زمانًا ومكانةً، وتأخر المذهبين ونشأتهما في عصور لاحقة.
والمهم أن كلا المذهبين حاول توثيق آرائه بإثبات موافقة الصحابة لها نظرًا لمكانتهم الرفيعة، وفضائلهم المعروفة، وما لهم من القبول عند جماهير المسلمين؛ ولكن ذلك لم يتطور إلى اعتبار أقوالهم دليلًا مستقلًّا، أو الاعتماد عليها كمصدر لإنشاء الآراء وتأسيسها، وإنما كان دورها