فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 584

العقيدة، ومن المهم بدرجة كبيرة أن نناقش هذا الاتجاه -الذي وصل إلى ذروته على يد الرازي- مع بيان آراء المعتزلة والأشاعرة حول هذه القضية.

تباينت الآراء حول تحديد مذهب المعتزلة تجاه إفادة الأدلة النقلية لليقين، فنسب إليهم التفتازاني (1558) والبياضي (1559) القول بأن الدليل النقلي لا يفيد اليقين؛ لتوقف دلالته على عشرة أمور -سنذكرها تفصيلًا فيما بعد- وهذه الأمور كلها ظني، والمتوقِّف على الظني لن يكون إلا ظنيًّا، كما أن بعض الباحثين المعاصرين (1560) رد مبدأ الظنية -الذي برز بوضوح عند الرازي- إلى جذور اعتزالية، وتحديدًا إلى القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، لا سيما وأن الرازي كان مطلعًا على كتابيهما «العمد» و «المعتمد» وهما على رأس المصادر الأربعة التي لخص عنها كتابه «المحصول» حسبما ذكر ابن خلدون (1561) .

وخلافًا للرأي المتقدم عزا الأصفهاني (1562) إلى المعتزلة القول بإفادة الأدلة اللفظية لليقين، ومال ابن تيميَّة إلى أن الرازي ومن وافقه من متأخري الأشاعرة هم أول من استن القول بظنية الأدلة النقلية، والمعتزلة «لا تقول: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين؛ بل يقولون: إنها تفيد اليقين، ويستدلون بها أعظم مما يستدل بها هؤلاء» (1563) ، ولا يُعرف أحد من فرق الإسلام قبل الرازي وضع هذا القول -الذي يسميه ابن تيميَّة بالطاغوت- وشيد بنيانه وأحكمه مثل الرازي «بل المعتزلة والأشعرية والشيعة والخوارج وغيرهم يقولون بفساد هذا القول، وأن اليقين يُستفاد من كلام الله ورسوله، وإن كان بعض هذه الطوائف يوافقون صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط: إنه لا يحصل اليقين من كلام الله ورسوله ألبتة» (1564) .

ولا يسعنا أمام هذا الاختلاف في تحديد مذهب المعتزلة إلا محاولة تلمس أقوالهم الصريحة أو مواقفهم التطبيقية في هذا الصدد، ومن الواضح أنه لا أثر للقول بالظنية عند مؤسسي المذهب الأوائل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، فأبرز الأصول الاعتقادية التي ركز عليها واصل -وهو المنزلة بين المنزلتين- يحتج على إثباته بأدلة نقلية من القرآن والإجماع (1565) ، والملاحظ لنصه المشهور الذي تقدم معنا أكثر من مرة «الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (1566) ، لا يخامره أدنى شك في أنه يضع الشرع على قدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت