فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 584

الشخص الواحد منهم يقطع بصحة حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع آخر، وبعد هذا النقد اختار التفصيل بين نوعين من المسائل؛ فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ذلك، أما المسائل الدقيقة المشتبهة عند كثير من الناس ولا يقدر فيها على دليل يفيد اليقين -لا شرعي ولا غيره- فلا يجب على المكلف ما لا يقدر عليه، كما لا يجوز له أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو المتعين في حقه ولا سيما إذا كان مطابقًا للحق (1555) .

ولا أظن أن كلام ابن تيميَّة يعني جواز الاكتفاء بالظن في أصول العقيدة مطلقًا، وإنما يقتصر ذلك على الدقائق والمشتبهات، وحتى في هذا النوع فالعجز عن الوصول إلى اليقين سببه تفريط المكلف في اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وترك النظر والاستدلال، ولو سلك الطريق الصحيح لوصل إلى المعرفة الحقة اليقينية (1556) ، وهكذا يبقى الأصل الأول لا غبار عليه مع تقييد يسير، أما الأصل الثاني فتظل مشكلته في الضابط أو المقياس الذي يحكم من خلاله على الدليل بالقطعية، ولا سيما أن كل طائفة تدعي أن حججها برهانية يقينية، وأدلة الخصوم شُبه وأهواء.

وقد اتفق المعتزلة والأشاعرة على أن الدليل العقلي يفيد اليقين إذا كانت جميع مقدماته قطعية؛ إذ اللازم عن المقدمات الحقة لا بد وأن يكون حقًّا، وأما إن كانت المقدمات بأسرها ظنية أو كان بعضها قطعيًّا والآخر ظنيًّا فالنتيجة ظنية؛ لأن الفرع لا يكون أقوى من أصله، وإذا كان الأصل بكليته أو ببعض أجزائه ظنيًّا كان الفرع ظنيًّا من باب أولى (1557) .

أما الدليل النقلي فيحتاج كي يفيد اليقين إلى قطعية ثبوته ودلالته، وقد درسنا فيما سبق ما يتعلق بجانب الثبوت وتبقى جهة الدلالة، ولا شك أن قطعيتها متحققة في كثير من النصوص العقدية الفقهية الواضحة في ألفاظها والدالة على معانيها بصورة جازمة، ولا أتصور أن أحدًا ينازع في قطعية ثبوت أو دلالة قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، أو قوله: {إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] ، وقوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] ، ومع ذلك فقد وجد اتجاه خطير لدى بعض المتكلمين يشكك في قطعية دلالة الدليل النقلي وينفي إمكانية إفادته لليقين؛ مما يترتب عليه أن يُنحى بالكلية عن مجال الاستدلال على مسائل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت