سيما مع ما أشرنا إليه من وجود نوعين من اليقين: أحدهما ذاتي، والآخر موضوعي، وكذلك تفاوت درجة القطع من دليل لآخر، ثم هل لا بد من سير الدليل على الطريقة الكلامية والالتزام بقواعدها أم أن المطلوب هو تحصيل اليقين بأي طريقة تم ذلك؟ فالعبرة ليست بعين الدليل أو صورته، وإنما بفائدته والنتيجة المترتبة عليه، وتزداد المسألة خطورة مع ما ذهب إليه عدد من المتكلمين من كون الدليل النقلي ظنيًّا في جميع أحواله ولا يفيد اليقين مطلقًا، وبالتالي يغلق الباب أمام الاحتجاج به على أية مسألة عقدية.
ولأبي حامد الغزالي موقف مهم في هذا الصدد، فهو يرى أن المقصود من الدليل تحصيل الفائدة المرجوة منه، وهي الاعتقاد الجازم للشيء على ما هو عليه فيما يتعلق بالله وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن اعتقد حقيقة الحق في ذلك فهو السعيد وإن لم يكن اعتقاده بدليل كلامي محرر، ولم يكلف الله عباده إلا ذلك، والوصول إليه يسير، وقد اشتمل عليه الشرع بأقصر طريق وأيسره، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلزمون الأعراب وسائر العوام قبل أن يؤمنوا بصياغة الأدلة والحجج بطريقة برهانية يقينية خالية من الاعتراضات والشبه، ولم يكلف الله الخلق إلا الإيمان بما قاله كيفما حصل التصديق (1553) .
ثم ساق المراتب التي يحصل بها التصديق، وهي ست درجات، أولاها وأقصاها ما يحصل بالبرهان المستقصى والمستوفى شروطه والمحررة أصوله ومقدماته درجة درجة؛ بحيث لا يبقى مجال احتمال وتمكن التباس وهو الغاية القصوى، لكنه ربما لا يتفق في كل عصر سوى لواحد أو اثنين وقد يخلو العصر منه، ولو كانت النجاة مقصورة على تلك المعرفة دون ما سواها لقلت النجاة وندر أصحابها، والمراتب الخمس الأخرى لا ترقى إلى مرتبة القطع بالمفهوم الكلامي، ومع ذلك يرى الغزالي أنها طريق لإثبات اليقين والوصول إلى الاعتقاد الجازم (1554) ، ويتضح من رأيه هذا اتفاقه مع المتكلمين في الأصل الأول وهو اشتراط اليقينية، واختلافه في الأصل الثاني، فلا يشترط لتحقيق اليقين أن يكون سائرًا على منوال أدلة المتكلمين ومبنيًّا على قواعدهم.
وإضافة لموقف الغزالي فإن لابن تيميَّة نظرة خاصة حيال الأصلين المتقدمين، فهو ينتقد قول المتكلمين بوجوب القطع في جميع مسائل الأصول على كل أحد، وعدم جواز الاستدلال عليها بغير دليل يفيد اليقين، مع أنهم في رأيه من أبعد الناس عما أوجبوه، وكثيرًا ما يحتجون بأدلة يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات، فضلًا عن أن تكون من الظنيات، حتى إن