فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 584

وينص القاضي عبد الجبار في أكثر من موضع على أن الدليل الظني لا يُعمل به في مجال الاعتقاد، جاعلًا ذلك من أسباب رفضه هو وسائر أصحابه الاحتجاجَ بأخبار الآحاد في الأصول (1547) ، ونجد نفس المعنى عند عدد من أئمة الأشاعرة، كالجويني الذي يرى أننا لو صرفنا النظر عن أخبار الآحاد بالجملة لكان جائزًا؛ لظنيتها (1548) ، وينقل الرازي الإجماع على أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز (1549) ، ويمنع الغزالي من التمسك بظواهر النصوص، وهي ما غلب على الظن فهم معناه من غير قطع -في العقليات- لأن المطلوب فيها القطع، وينخرم ذلك بأدنى احتمال، وإن لم يُعضد بدليل (1550) .

واحتجاج مذهب ما بدليل ظني على مسألة عقدية غير مقبول، ويسوغ لمخالفيه أن يردوا عليه مبينين تهافت حجيته وضعفها، وهذا ما فعله الجويني حينما تعقب مذهب المعتزلة في الوعد والوعيد، واستدلالهم بعمومات النصوص وهي ظنية في دلالتها؛ لقبولها التخصيص، وتعجَّب من أن أصحاب الوعيد قاطعون بمعتقدهم مع أن الظاهر المتعرض للاحتمال لا يفيد القطع (1551) ، وعندما جاء الدور على أصحابه وسلكوا نفس المسلك؛ حيث احتجوا بالعمومات لتأييد مذهبهم في خلق أفعال العباد- حاول الجويني التخلص من الاعتراض الموجه إليهم، فأقر بأن «كل ظاهر متعرض لجهات الاحتمال فلا يسوغ التمسك به في القطعيات، لكنهم لم يتمسكوا بمحض الصيغة وإنما بأمور أخرى تبلغ القطع» (1552) .

وبإمكاننا أن نخرج بنتيجة تُجمل الموقفين الاعتزالي والأشعري من حجية الدليل الظني في مجال الاعتقاد، وخلاصتها: أن ثمة أصلين قد وقع اتفاقٌ وتطابقٌ في رأي المدرستين تجاههما:

الأول: أن المطلوب في مسائل العقيدة حصول القطع واليقين والتصديق الجازم، ولا يُكتفى فيها بالظن، كما لا يصح وجود قدر ولو كان ضئيلًا من الشك أو التردد.

الآخر: أن اليقين والقطع لا يوصل إليهما إلا بدليل قطعي، فهناك تلازم تام بين طبيعة المدلول ودليله وبين المعلوم وطريقة العلم به، فالدليل الظني لا يُنتج إلا ظنًّا، والقطعي يؤدي حتمًا إلى اليقين؛ ومن ثَمَّ فلا يصح الاحتجاج بدليل ظني بحال من الأحوال.

والأصل الأول محل اتفاق بين المسلمين ولا نزاع فيه، أما الأصل الثاني فيتعلق به إشكال مهم في جانبه التطبيقي، فما طبيعة المواصفات أو الشروط التي في ضوئها يحكم على الدليل بالقطعية؟ لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت