فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 584

وظهرت في مرحلة لاحقة (1542) - تدور في أصل اشتقاقها حول الشدة والوثاقة والإحكام، مما يدل بوضوح على عمق التلازم بين صحة الاعتقاد واتصافه باليقين والتصديق التام.

ولما كان الاعتقاد الصحيح أول وأهم الواجبات على كل مسلم، وهو الأساس الذي تنبني عليه سائر التكاليف الشرعية من أوامر ونواهٍ، كما أنه المنشئ للتصورات الكلية التي تشكل نظرة المسلم إلى الحياة والكون- وجب أن يكون صلبًا قويًّا ثابتًا، يتناسب مع عِظَم البناء المعتمد عليه؛ بحيث لا يتزعزع أمام الصعاب والمشكلات التي تواجهه، سواء أكانت شبهات ووساوس أم شهوات وأهواء تخدش في تصديق القلب وطمأنينته.

ومن الحقائق الثابتة والمتفق عليها بين سائر المسلمين أن القرآن قد اهتم ببناء اليقين لدى المسلم في المعرفة والاعتقاد، وجعل سلامته ورسوخه أساسًا لمنطلق المسلم في أقواله وأفعاله الظاهر منها والباطن (1543) ، ولا شك أن بناء اليقين في المعرفة مقدمة ضرورية لبناء اليقين في الاعتقاد، وكثيرًا ما يمدح الله المؤمنين لما اشتملت عليه أنفسهم من اليقين الكامل والتصديق الجازم بكل ما أخبر الله عنه، ولا سيما الغيبيات غير المشاهدة بالعيان، كما في قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] ، ونفى الله عنهم التردد والريبة كما في قوله تعالى: {الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] ، بينما حال المنافقين خلاف ذلك، وليسوا إلا {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] .

ولا خلاف بين الفرق الكلامية -وعلى رأسها المعتزلة والأشاعرة- في رفض الاحتجاج بالدليل الظني في مجال الاعتقاد، واشتراطهم أن تكون الأدلة المستخدمة قطعية لا مجال فيها للاحتمال، لتتوافق مع طبيعة المعرفة في الاعتقاديات، ويبدو إلحاحهم على سمة اليقينية في أول المسائل التي عرض لها المتأخرون في مصنفاتهم وهي تعريف علم الكلام؛ فهو عند التفتازاني: «العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية» (1544) ، ويعلل قصره الاعتماد على الأدلة اليقينية وحدها بأنه «لا عبرة بالظن في الاعتقادات، بل في العمليات» (1545) ، ويترتب على ذلك أن هذا العلم أشرف العلوم؛ لوثاقة براهينه وكون دلائله يقينيات يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل، وهي الغاية في الوثاقة (1546) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت