فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 584

-ومع ذلك فالأدلة التي في الكتاب -وبها تنبهنا لاستخدام العقول- لا يمكن الاعتداد بها، ولا بالكتاب كله، وإثبات حجيتها حتى يقرر لنا العقل صحتها.

وهكذا عدنا من حيث بدأنا، وما زال العقل في النهاية هو الأصل والمعتمد، وقد حاول نفر من الباحثين المعاصرين (1757) حل المشكلة بطريقة أخرى مغايرة، فوجهوا تقديم المعتزلة للعقل على النقل باعتباره تقديم ترتيب، لا تقديم تشريف أو أولوية؛ ومثَّلوا لذلك: بمن يسلك طريقًا إلى المسجد، فالطريق يأتي قبل المسجد ويتقدم عليه؛ لكنه لا يكون بحال أشرف منه ولا أعلى مرتبة.

وربما كان هذا التوجيه مقبولًا لو سلم لأصحابه صحة تمثيلهم للعلاقة بين النقل والعقل في مذهب المعتزلة بالعلاقة بين الطريق والمسجد، أو بعبارة أعم بالعلاقة بين الوسيلة والغاية؛ لكن المسألة أبعد من ذلك، فلا يوجد من يقدم الوسيلة على الغاية إن حدث تعارض بينهما، وهذا ما فعله أئمة الاعتزال حينما قدَّموا العقل على النقل عند التعارض.

فالقاضي عبد الجبار يقرر أن دليل العقل إذا منع من شيء فالواجب في السمع إذا ورد ظاهره بما يقتضي ذلك الشيء أن نتأوله (1758) ، والضابط الأساسي عنده في قبول خبر الواحد أو رده موافقته أو مخالفته لحجج العقول، فإذا خالفها لم يجز قبوله (1759) ، وتكليف العقل قد ينفك عن التكليف السمعي، وهو الأصل للمعرفة بالسمعيات فلا بد من تقدمه (1760) ، وينص أبو الحسين البصري على أن العقل أسبق من السمع (1761) ، وقريب من هذا المعنى نجده عند الزمخشري (1762) .

كما أن أحدًا لا يطلق العنان للوسيلة -أي: العقل- لتصول وتجول في كل الميادين دونما حجر أو قيد؛ بينما الغاية -وهي النقل- لا يُسمح لها أن تتدخل إلَّا بعد إثبات الأصول الكبار، ودورها في تلك الأصول لا يتعدى التأكيد والتقوية، أما أن تكون أصلًا بنفسها فلا يصح ذلك مطلقًا.

ثانيًا: موقف الأشاعرة من تقديم العقل على النقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت