فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 584

شاع بين الباحثين أن المذهب الأشعري يمثل الموقف الوسط في نظرته إلى العلاقة بين النقل والعقل، فلا يهمل النقل بالكلية معولًا على العقل تعويلًا كاملًا، كما لا يُعرض عن العقل وأدلته مكتفيًا بالنقل وحده، وبتعبير مؤرخ المذهب الحافظ ابن عساكر، فالأشاعرة «لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية؛ لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهين العقول» (1763) .

وهذه السمة تصدق بالدرجة الأولى على إمام المذهب ومؤسسه أبي الحسن الأشعري، الذي حاول المزاوجة بين النقل والعقل عن طريق توظيف العقل لخدمة النص وفهمه، ثم ضبط العقل بقيود وضوابط مستمدة من النص (1764) ، وكان -كما وصفه أصحابه- مؤتمًا بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، مستمسكًا بالدلائل العقلية والشواهد السمعية، عضَّد بحجاج العقل ما ورد وارده بطريق النقل، وأخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فزادها شرحًا وتبيينًا، مؤكدًا أن ما قالوه وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، خلافًا لما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء (1765) .

فالأشعري -إذن- اعتمد على النص ولم يهمل العقل، وإن جعل دوره الأكبر في فهم النص والدفاع عنه، وبذلك استطاع أن يرسي أصولًا منهجية مخالفة لما عليه الحال عند المعتزلة، كما لا نجد عنده مطلقًا أي أثر لفكرة تقديم العقل على النقل؛ بل العكس هو الصحيح، فدائمًا ما يلح على التزامه الكامل باتباع النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويعلن انتسابه إلى إمام الأثر أحمد بن حنبل، ويقر باعتناقه جميع آراء أصحاب الحديث والأثر (1766) ، وربما كان من أهم عوامل خروجه من دائرة الفكر الاعتزالي، ومفارقته لمنهجه -ما لمسه عندهم من غلوٍّ في دور العقل ووظيفته.

وحتى في كتابيه «استحسان الخوض في علم الكلام» و «اللمع» -على ما فيهما من نزعة عقلية ظاهرة- نجد الاقتران بين النقل والشرع، فأدلة الأشعري العقلية منتزعة من النصوص؛ بل إنه حاول إلباس المصطلحات الكلامية ثوبًا شرعيًّا، وأوجب رد مسائل السمعيات إلى بابها، وكذا العقليات لا يخلط أحدهما بالآخر (1767) ، وعلى الرغم مما في بعض تلك المحاولات من نظر، فإنها تنطوي على إشارة واضحة لعدم مفارقة النص، وشدة التمسك به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت