وعلى يد فخر الدين الرازي انهارت سمة التوسط الموجودة عند الأشاعرة تمامًا، لا سيما مع تنظيره لفكرة تقديم العقل على النقل، وصياغتها في صورة قاعدة أو قانون كلي محكم، ذكره في مواضع عديدة من كتبه، واحتذى أثره من أتى بعده من رجال المذهب؛ لكن من المؤكد أن الرازي ليس أول من استن هذا القانون أو قال به، ولا يُتصور أن ميل الأشاعرة نحو العقل على حساب النقل ظهر فجأةً؛ بل الطبيعي أن يكون المذهب قد مرَّ بعدة مراحل من التطور المنهجي، حتى وصل إلى هذا الموقف المتأخر.
وفي رأي ابن تيميَّة، فإن الأشعري وأئمة أصحابه المتقدمين بريئون تمامًا من هذا القانون، وإنما قال به متأخرو المذهب مخالفين شيوخهم الأوائل؛ نتيجة علاقات التواصل والتأثير والتأثر بينهم وبين المعتزلة وآراء الفلاسفة، وهو يدرج ضمن من سبقوا الرازي إلى وضع قانون مشابه كلا من: الباقلاني، والجويني، والغزالي، وابن العربي (1768) .
-ولم أجد للباقلاني كلامًا صريحًا في هذا الصدد سوى إشارات عابرة؛ منها:
(أ) ذكره للعقل على رأس مصادر الأدلة في كتابه «التمهيد» (1769) مقدمًا له على الأدلة النقلية؛ لكنه عاد في «الإنصاف» (1770) فقدَّم النقل أولًا وأخَّر العقل، مما يوحي أن المسألة لا تعدو مجرد الترتيب الذكري فحسب.
(ب) تبنيه لفكرة الدور -حسبما فصَّلنا سابقًا- ومن أهم أسسها أن العقل أصل للنقل، والنقل فرع عنه وتابع له.
(جـ) أثره الواضح في تطوير المذهب الأشعري، ومحاولة تنهيجه وبنائه بناءً كلاميًّا منظمًا، ووضعه المقدمات العقلية الدقيقة (1771) ، ولا شك أن لهذا كله دورًا في الميل نحو الأدلة العقلية على حساب الأدلة النقلية، وإن كان الأمر لم يصل بالباقلاني إلى القول صراحة بتقديم العقل على النقل، واستمر توظيفه لأدلة السمع واحتجاجه بها بصورة بارزة في كتابه «الإنصاف» .
وقد بدت آثار الميل إلى العقل بدرجة أكبر، عند ابن فورك (ت 406 هـ) -وهو من المعاصرين للباقلاني- في كتابه «مشكل الحديث وبيانه» ، ففي أول الكتاب (1772) قسم أهل السُّنَّة إلى طائفتين: