أصحاب الرواية المهتمين بضبط المنقول، وحصر أسانيده، والتمييز بين الصحيح والسقيم.
وأصحاب الدراية المهتمين بطرق النظر، والمقاييس، وإيضاح الحجج والبراهين، وكلا القسمين عنده يكمل القسم الآخر ويعاضده، كما أن النقل يتوافق مع العقل ولا يعارضه.
لكنه عندما أتى إلى الناحية التطبيقية بنى الكتاب بأكمله على إيراد الأحاديث التي يحكم العقل بإيهام ظاهرها للتشبيه؛ كالعلو والنزول والمجيء، وغيرها من الصفات، وقام بتأويلها لاستحالة اعتقاد ظواهرها، وفي ذلك إقرار ضمني بوجود تعارض بين النقل والعقل، وإيثاره التأويل كحلٍّ لهذا الإشكال يعني أيضًا بصورة ضمنية أن العقل هو المقدم، ولا يختلف عنه كثيرًا عبد القاهر البغدادي الذي اشترط لقبول خبر الواحد والحكم بصحته ألا يكون مستحيلًا في العقل، مما يعني أنه إذا عارض العقل رُدَّ ولم يُحتج به (1773) .
وعند الجويني ظهر -ربما لأول مرة- في الفكر الأشعري، التصريح بأن النقل إذا تعارض مع العقل وجب رده أو تأويله، وتقديم العقل عليه، ويأتي ذلك متسقًا مع نزعته العقلية الواضحة مقارنة بأئمة المذهب السابقين، ويمكن إرجاعها إلى عاملين (1774) :
(أ) صلته بالفلسفة وعلوم الأوائل، وصحيح أن الجويني لم يكن فيلسوفًا أو متبنيًا لأفكار الفلاسفة إلَّا أنه اطلع على كتبهم، واستفاد منها في تأصيل المذهب الأشعري، ومن ثَمَّ جاء تفكيره مصبوغًا بصبغة فلسفية عميقة (1775) ، ومن الأمثلة الدَّالة على هذه الصلة ما أورده من عبارة موهمة في مسألة علم الله بالجزئيات، يُفهم منها موافقته لمذهب الفلاسفة (1776) مما اضطر السبكي لإفراد مساحة كبيرة من كتابه «الطبقات» (1777) ، يدافع فيها عما وُجِّه إليه من نقد، كما أنه عُني عناية كبيرة بالتحديد الدقيق والمنضبط للمصطلحات، فضلًا عن إدخاله المنطق الأرسطي في علم أصول الفقه، ومع أنه خالفه في نقاط كثيرة -كما يقول الدكتور النشار- غير أنه تأثر به إلى حد ما، وربما ظهرت عنده أول محاولة لمزج منطق أرسطو بأصول الفقه (1778) .
(ب) قربه الواضح من آراء المعتزلة في عدد من المسائل، وإلمامه بكتب أبي هاشم الجبائي، مما دعاه إلى تبني نظرية الأحوال، وترجيح بعض الاختيارات الاعتزالية، أو محاولة تقليل الفجوة بينهم وبين الأشاعرة، مثلما فعل في قضية التحسين والتقبيح العقليين، وصفة الكلام، ومسألة المخاطب إذا خُصَّ بالخطاب، ووُجه إليه الأمر، وهو في حالة اتصال الخطاب به، هل يعلم أنه