بالجواز، وهل يراد به الجواز العقلي أو الشرعي، فقال: «وذهب أبو بكر بن الأحساد من أصحابنا إلى جواز ذلك عقلًا، وزعم أن دلالة سمعية منعت ذلك في ديننا، وذهب شيخنا أبو الحسين البصري، وركن الدين محمود الخوارزمي إلى جواز ذلك عقلًا، وأنه لا مانع من ذلك لا عقلًا ولا سمعًا، وهو الذي نختاره نحن في هذه المسألة» (725) ويبدو بوضوح من خلال هذا النص أن جمهور المعتزلة يسلمون بثبوت الكرامات خلافًا للمشهور عنهم، وأيًّا كان رأيهم في المسألة فما يعنينا هو كيفية تعاملهم مع ما ثبت تواترًا إذا خالف المذهب.
وأخيرًا، يمكن تلخيص الموقف الاعتزالي من حجية الأحاديث المتواترة في النقاط التالية:
1 -يُقر المعتزلة بحجية المتواتر وإفادته العلم، وإن اختلفوا في نوعية هذا العلم، باستثناء بعض الآراء الشاذة المنسوبة لنفرٍ منهم كالنظَّام وهشام الفوطي.
2 -عدد المتواتر قليل في نظر المعتزلة، والمواطن التي استدلوا فيها بأحاديث متواترة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.
3 -لم يلقَ المتواتر المعنوي العناية الكافية من المعتزلة، وإن سلَّموا بوجوده واستدلوا به في بعض المسائل.
4 -وتبدو السمة المشار إليها أكثر وضوحًا عند متقدمي المعتزلة، وبالرغم من قلتها عند المتأخرين إلَّا أنها لم تندثر تمامًا، كما هو الحال عند القاضي عبد الجبار في نماذج من هذا القبيل.
5 -لم يتورع المعتزلة -أو على الأقل بعضهم- عن رد كثير من الأحاديث المتواترة تواترًا معنويًّا لمخالفتها المذهب، وشككوا في ثبوت تواترها؛ بل وصل الحال بهم أحيانًا إلى تضعيفها.
ليس بين الأشاعرة أدنى خلاف في حجية الأحاديث المتواترة، فكلهم متفقون على ثبوتها وإفادتها العلم والتعويل عليها، ونصوصهم في هذا الصدد كثيرة ومتنوعة بدءًا من شيخ المذهب أبي الحسن الأشعري، الذي كانت له عناية بالرد على من شكك في حجية المتواتر أو نازع فيها،