فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 584

يعتقد أهل السُّنَّة ويوافقهم جمهور الأشاعرة: أن الله يكرم من شاء من أوليائه الصالحين وعباده المتقين بكرامات، تنخرق معها العادات والقوانين الطبيعية وسنن الله الكونية المطردة، ولكنها تظل بعيدة ومتمايزة عن معجزات الأنبياء عليهم السلام؛ فلا ترِد مقرونة بالتحدي، كما لا تظهر على مدعي النبوة أو سيئ السريرة، وغالبًا ما يحاول من يظهرها الله على يديه أن يكتمها، ولا يسعى بحال لإفشائها (722) .

ووقوع تلك الكرامات ثابت بطريق التواتر المعنوي، وقد وُجد منها في زمن الصحابة وما بعده حوادث كثيرة، يصعب حصرها، ومع تعددها واختلاف آحادها فإنها تشترك في قدر موجود فيها جميعًا؛ وهو وقوع كرامة لأحد الصالحين، كما لا يخفى أن نماذج منها وردت في القرآن الكريم كقصة أصحاب الكهف ونومهم تلك المدة الطويلة، ثم قيامهم بعد ذلك، وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية فأماته الله ثم أحياه، وما جرى لمريم رضي الله عنها من الرزق بغير حساب، والآيات التي رأتها في حمل ووضع ولدها عيسى عليه السلام، وغير ذلك من الأمثلة.

واختلف موقف المعتزلة تجاه الكرامات؛ فشدد القاضي عبد الجبار على القول بنفيها (723) ، محاولًا غلق الباب أمام أي نوع من اللبس يمكن أن يحدث نتيجة التشابه الظاهري بين المعجزة والكرامة؛ ولذا كان الأسلم من وجهة نظره نفيها بإطلاق جملةً وتفصيلًا، ولما كانت في مجموعها منقولة بالتواتر فقد راح يشكك في تواترها بل صحتها (724) ؛ لأن شروط التواتر لم تتحقق، ورواتها لم ينقلوها عن مشاهدة وعيان وإنما عن تقليد، ومن نقلها عن مشاهدة -وهم قلة- ربما نسبوها إلى من ينفيها عن نفسها، وصاحب الشأن أدرى الناس به، ولن نطيل في مناقشة كلام القاضي، فحتى لو سُلِّم -على سبيل التنزل- بانتفاء التواتر في تلك الروايات، فما العمل فيما ثبت بالنص القرآني المقطوع بصحته؟!

وقد شاع عن موقف المعتزلة من كرامات الأولياء أنهم ينكرونها جميعًا؛ نظرًا لطبيعتهم العقلية التي ربما يصعب عليها التسليم بالخوارق إلَّا في أضيق الحدود، لكنني وقفت على نص في غاية الأهمية لمعتزلي متأخر يصحح جزءًا كبيرًا من ذلك الرأي الشائع ويوضح حقيقة المذهب الاعتزالي؛ حيث قال: «اختلفوا -أي المعتزلة- في جواز ظهورها على الأولياء من دون الدعوى إكرامًا لهم، فذهب أبو هاشم وقاضي القضاة إلى المنع من جواز ظهورها عليهم في هذه المقامات الثلاث، وذهب سائر الشيوخ إلى جواز ذلك من أهل العدل» ثم فصَّل مذهب القائلين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت