ومن مؤلفاته في هذا الموضوع كتاب في النقض على ابن الراوندي في إبطال التواتر وفيما يتعلق به الطاعنون على التواتر (726) .
وعلى نفس المنوال عقد الباقلاني في كتابه «التمهيد» بابًا في الكلام عن إثبات التواتر واستحالة الكذب على أهله، وانتهى إلى أن العلم المستفاد من المتواتر ضروري، لا يجوز التشكيك فيه بحال (727) ، ومثله عبد القاهر البغدادي، الذي يرى أن المتواتر «موجبٌ للعلم الضروري بصحة مخبره» (728) وحكم الجويني على جاحد العلم بالتواتر بأنه «جاحدٌ للضرورة، ومتشككٌ في المعلوم على البديهة» (729) ونقل الآمدي اتفاق الكل «على أن خبر التواتر مفيدٌ للعلم بمخبره» (730) واستفاض الرازي في الكلام عن منكري العلم بالتواتر، وتوسع في عرض شبههم والرد عليها (731) ، ولعله من الإطالة دونما مبرر أن نسترسل في عرض أقوال أئمة الأشاعرة جميعًا فيما هو محل اتفاق بينهم، وإن كان ثمة خلاف فهو في بعض مسائل فرعية، كالعدد الواجب توافره لإثبات التواتر، وشروطه، ونوعية العلم المستفاد منه، هل هو ضروري أو نظري (732) ، وكل ذلك لا يخل بأصل الاتفاق بين أئمة المذهب على قطعية الخبر المتواتر.
وعلى المستوى التطبيقي يُسلِّم الأشاعرة بالأحاديث المتواترة، ويقبلونها، ويستدلون بها في كثير من المواضع، كما فعلوا في الاحتجاج على رؤية الله في الآخرة، والشفاعة، وكرامات الأولياء، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية، وغيرها من المسائل التي تندرج عندهم تحت ما يسمى بالسمعيات (733) ، وهم في هذا متابعون لأبي الحسن، الذي كثيرًا ما كان يستدل بما تواتر من الأحاديث، بل نجده يُلزِم المعتزلة بقبول كثير مما ردوه؛ لأنهم أخذوا بما هو أقل منه عددًا من حيث الرواية، وقد ألزمهم بذلك في مسألة رؤية الله في الآخرة، فقال: «رُويت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق مختلفة عديدة، عدد رواتها أكثر من عدة خبر الرجم، ومن عدة من روى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لا وصية لوارث ) ) (734) ومن عدة رواة المسح على الخفين، ومن عدة رواة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها ) ) (735) وإذا كان الرجم وما ذكرناه سننا عند المعتزلة، كانت الرؤية أولى أن تكون سنة لكثرة رواتها ونقلتها» (736) ويتكرر نفس المعنى في كلام أبي الحسن عن الحوض (737) ، وعذاب القبر (738) .