فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 584

بحيث تؤدي كل مسألة إلى ما بعدها، ووُجد من يدافع عن الفكر الاعتزالي بقوة أمام شبهات الخصوم ويرد على اعتراضاتهم، ويستفيض في شرح أصول المذهب وأفكاره، ولعل أبا علي وابنه أبا هاشم الجبائيين، والقاضي عبد الجبار، ومدرسته المتأخرة -أبرز من يُعبر عن تلك الفترة، وإن كنا نجد نماذج للقول بتقديم العقل على النقل عند نفرٍ من رجال الطبقة السابقة؛ كثمامة بن أشرس؛ الذي عدَّه البعض أول من قال بتقديم العقل على النقل من المعتزلة (1751) ، والنظَّام الذي ذهب إلى أن حجة العقل قد تنسخ الأخبار (1752) .

وقد تبيَّن مما سبق أن فكرة الدور -وهي أحد الأسس المنهجية التي ضبطت العلاقة بين النقل والعقل- استقرت في المذهب وظهرت آثارها بصورة واضحة ومقننة عند رجال تلك الفترة، وصار من المتفق عليه أن العقل أصل للنقل ولا بد أن يسبقه، وأن النقل فرع وتابع لا تثبت صحته إلَّا بعد التأكد من عدة مقدمات جميعها معتمد على العقل، ووصل الحال بأبي علي الجبائي أن يحكم على سائر ما ورد من نصوص التوحيد والعدل في القرآن بأنه «ورد مؤكدًا لما في العقول، وأما أن يكون دليلًا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداءً فمحال» (1753) .

وعندما عدَّد القاضي عبد الجبار مصادر الأدلة، قدَّم العقل في الترتيب على الكتاب والسنة والإجماع؛ لأنها لم تثبت -من وجهة نظره- إلَّا بالعقل (1754) ، ولولا صحة النظر لما استفدنا شيئًا من النصوص، ولما علمنا صحة الخبر أو صدق المخبر (1755) ، ثم عاد مستدركًا على نفسه، ومزيلًا للتعجب والاستغراب المتوقعين من جراء تقديم العقل في الذكر، فأشار إلى أن «الكتاب هو الأصل» من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام (1756) .

ولا أظن أن في تصريح القاضي بأن الكتاب هو الأصل نوعًا من تراجع المعتزلة عن منهجهم العام، وقولهم بابتناء النقل وتوقف ثبوته على الأدلة العقلية، وإذا قمنا بإعادة ترتيب كلامه فسوف نخرج بنتيجة لا تخلو من التعارض:

-فالعقل هو المقدَّم؛ لأننا عرفنا عن طريقه حجية الكتاب.

-ولكن الكتاب بدوره أصل لاشتماله على ما ينبهنا لاستخدام العقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت