فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 584

المساواة مع العقل من جهة كونهما مصدرين موصلين إلى اليقين، كما أن كلمة «الحق» التي ذكرها عامة تشمل الأحكام العلمية والعملية، ولا يصح قصرها على العمليات فحسب، مما يدل على صحة الاحتجاج بالنقل عنده على سائر المسائل أصولًا أو فروعًا (1567) .

وثمة قصة حكاها البيهقي عن رجل يُسمى قريش بن أنس، قال: «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأُقام بين يدي الله تعالى: فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته، ثم تلا هذه الآية: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها} [النساء: 93] ، فقلت له -وما في البيت أصغر مني-: أرأيت إن قال لك: فإني قد قلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع أن يرد عليَّ شيئًا» (1568) ، والشاهد من القصة أن عمرًا يستدل بالنقل على مذهبه، وإن كانت الآية لا تدل على مطلوبه، ثم حينما عارضه الخصم بآية أخرى لم يلجأ إلى القول بأنها ظنية لا تفيد في المطالب اليقينية، وإنما انقطع ولم يحر جوابًا.

وللصاحب ابن عباد -وهو معتزلي، وصلته بالقاضي عبد الجبار أشهر من أن تذكر- كتاب عنوانه «الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل» (1569) ، وكما يبدو من اسمه فالكتاب محاولة لنصرة مذهب الاعتزال والاحتجاج على صحته بالعقل والنقل معًا، وطريقة الصاحب في تصنيفه أن يذكر المسألة حاكيًا قول مخالفيه ثم مذهبه مقرونًا بأدلة العقول، مع الاستشهاد على معناها بآية من القرآن، ويكاد الكتاب يستوعب جل المسائل الكلامية بدءًا من حدوث الأجسام وإثبات وجود الصانع، وانتهاءً بمسائل السمعيات والإمامة، وعلى نفس المنهج رسالة مختصرة أسماها الصاحب «التذكرة في الأصول الخمسة» (1570) وهي تجمع هذه الأصول الاعتزالية وما تفرع عنها، ولا تخلو مسألة لا يرد معها دليل صحتها من القرآن الكريم، بل إن بعض المسائل تقتصر على الدليل النقلي وحده ولا تُصحب بدليل عقلي، ويبدو هذا المسلك فريدًا إذا ما قورن بالطريقة الاعتزالية الشائعة ومنهجها في التأليف الكلامي، وصحيح أن الصاحب يلوي أعناق النصوص لتوافق مذهبه إلا أن في الكتابين إشارة لنفي فكرة ظنية الدليل النقلي على سبيل الإطلاق عند المعتزلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت