وقد ذكرنا فيما مضى أن ثلاثة من الأصول الاعتزالية الخمسة وهي: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة للإمامة- تُعلم بالسمع وحده أو بالسمع والعقل معًا، على خلاف في المذهب، ولا يعقل أن يثبتوا أصولًا كهذه يكفِّرون المخالف فيها بأدلة ظنية لا تفيد اليقين.
والشواهد التي سقناها تدل على عدم ميل الفكر الاعتزالي للقول بظنية الأدلة النقلية مطلقًا، لكن يُعكر على ذلك بعض مواقف لمتأخري المذهب يفهم منها نوع موافقة لمبدأ الظنية؛ فأبو الحسين البصري في سياق رده على من ذهب إلى وجود أدلة قطعية على الأحكام الفرعية يقرر أن «أكثر الفروع ليس عليها نصوص قرآن ولا أخبار متواترة ولا إجماع، وإنما تناولتها أخبار آحاد ومقاييس مظنونة» (1571) وحتى ما ورد بشأنه آيات قرآنية فهو معارَض بنصوص أخرى، مما يجعل المجتهد في الفروع يصعب عليه الظفر بأدلة يقينية، وغايته أن يتحصل على أمارات ظنية.
وكلام أبي الحسين يتنزل بالدرجة الأولى على مجال الأحكام العملية، ولا يقعِّد حكمًا عامًّا، وثمة موقف آخر -ألصق بموضوع بحثنا- نجده عند أحد أئمة الاعتزال في أطواره المتأخرة وهو تقي الدين النجراني، الذي يرى أن ظواهر النصوص لا يجوز التعويل عليها -لأنها لا تفيد اليقين- إلا بعد استجماع ثلاثة عشر شرطًا لا بد من إثباتها حتى يصح التمسك بالنقل (1572) ، وبذلك يلتقي مع رأي الرازي وشروطه العشرة، بل يزيد عليها شروطًا ثلاثة إضافية، وإن كان للنجراني رأيٌ آخر ينتهي فيه إلى أن «الدليلَ السمعي يدل على ثبوت الشيء كما يدل عليه الدليل العقلي إذا لم يتوقف دلالته على دليل العقل» (1573) ، ومقتضى كلامه: أن الدليل النقلي يستفاد منه ما يستفاد من الدليل العقلي، أي: القطع واليقين في المجالات التي لا تتوقف صحة السمع عليها، طبقًا لما قررناه في فكرة الدور.
وهكذا تبين أن مبدأ الظنية كان معروفًا لدى متأخري المذهب، وقال به بعضهم على المستوى النظري، خلافًا للمتقدمين الذين لم تظهر أية شواهد له في مناهج استدلالهم، أما على المستوى التطبيقي فأظن أن المذهب الاعتزالي ككل لم يتأثر كثيرًا بذلك المبدأ خلافًا لفكرة الدور التي حظيت بالتزام صارم، وما دامت المسألة التي يريدون بحثها مما يجوز الاحتجاج عليها بالسمع فالدليل النقلي حجة فيها بالشروط المتبعة عندهم، وهي: قطعية ثبوته ودلالته، وعدم مخالفته لآراء المذاهب ومقررات العقول.