أما الأشاعرة فلا أثر للقول بالظنية عند متقدمي المذهب كأبي الحسن وتلامذته الأوائل (1574) ، بل هم على النقيض من ذلك تمامًا، واحتجاج أبي الحسن بالنقل في كتبه على سائر المسائل العقدية أوضح من أن نطيل بالتدليل عليه، ولا يخلو أصل من الأصول إلا ويقرنه بدليل من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع، وفي «استحسان الخوض في علم الكلام» يوجب رد مسائل الشرع التي طريقها السمع إلى أصول الشرع، ولا تُخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات (1575) ، وفي هذا الفصل بين النوعين دلالة واضحة على أن النقل يفيد العلم واليقين؛ لأنه لم يقصر مجاله على السمعيات في اصطلاح متأخري المذهب، بل وسَّع من نطاق الاستدلال به، ولو كانت الأدلة النقلية لا تفيد اليقين عنده لم تنفرد وحدها في إثبات بعض الأصول الاعتقادية، كالصفات الخبرية المتوقفة على ورود النص من الكتاب أو السُّنَّة (1576) .
والباقلاني هو الآخر -بالرغم من التطور الذي يُلحظ بوضوح في منهجه- لا يتبنى مبدأ الظنية، بل يصرح بصحة الاستدلال على بعض القضايا العقلية، وعلى الأحكام الشرعية بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأدلة والقياس الشرعي وما جرى مجراه، وكل هذه الأدلة السمعية جارية في الكشف عن صحة القياس مجرى الأحكام العقلية (1577) وكأنه لا يرى فرقًا في الدرجة بين دلالتين السمع والعقل (1578) .
ويعطينا ابن تيميَّة إشارة مهمة إلى بدء ظهور القول بالظنية عند الأشاعرة؛ حيث يؤكد على أن الأشعري وأئمة أصحابه لم يكونوا يقولون: إنه لا يُرجع إلى السمع في الصفات، ولا يقولون: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين. بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم (1579) .
ولعل إمام الحرمين الجويني أول من وُجدت لديه بذور هذه الفكرة، وإن بدت غير متكاملة من جهة، كما أنه نفاها وردها، وانتقد القائلين بها في مواضع من كتبه من جهة أخرى، ففي كتابه «الشامل» ذكر أن ظواهر السمع التي هي عرضة للتأويلات لا يسوغ الاستدلال بها في القطعيات (1580) ، وفي «البرهان» ساق مراتب العلوم مرتبًا إياها على عشر درجات، جاعلًا العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسُّنَّة والإجماع في الدرجة العاشرة والأخيرة (1581) ، وقارن في الرسالة النظامية بين درجة اليقينية في العقليات والسمعيات مرجحًا الأولى على الثانية (1582) .