فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 584

ولكن رأيه يختلف تمامًا في مواضع أخرى؛ حيث يعترف بإمكانية تحصيل اليقين والقطع من الأدلة النقلية، ويُنكر على بعض الأصوليين الذين زعموا ندرة النصوص القاطعة في دلالتها التي لا يتطرق إليها احتمال التأويل، واصفًا مقالتهم بأنها قول من لا يحيط بالغرض من ذلك؛ إذ المقصود من النصوص القطعية الاستقلال بإفادة المعاني، مع انحسام جهات التأويل، وانقطاع مسالك الاحتمالات، وما أكثر هذا الفرض مع القرائن الحالية والمقالية (1583) .

ويتشابه موقف الغزالي مع شيخه إمام الحرمين، ونجد عنده نفس التعدد في الآراء، فمسلكه في «إلجام العوام» حينما يُعلي من شأن أدلة القرآن وبراهينه مفضلًا لها على أدلة المتكلمين العويصة (1584) ، يختلف عما في «المنخول» حيث يسوق مراتب العلوم، جاعلًا السمعيات في المرتبة العاشرة والأخيرة؛ لأن العلم بها عنده يضاهي التقليد، وينخرم ذلك بأدنى احتمال، ويكفي المعترض إبداء أي احتمال ولا يحتاج إلى تعضيده بدليل (1585) .

وعلى يد الرازي وصل القول بظنية الأدلة النقلية إلى أقصى درجاته خطورة، وتعددت أوجه التشكيك والاحتمال في دلالة النصوص على معانيها، ووُجدت نفس الفكرة التي قال بها تقي الدين النجراني من أن هناك شروطًا ثلاثة عشرة، تتوقف إفادة النقل لليقين على تحققها، وإن كان كلام النجراني مجرد إشارات عابرة، أما الرازي فقد اتسم موقفه بمزيد من التأكيد والبسط لتلك الاحتمالات مع توسع في الاستدلال عليها.

وقد تناول الرازي قضية الظنية في أغلب كتبه الكلامية (1586) ، وفي التفسير (1587) ، و «المحصول» (1588) ، وتنوع عرضه ما بين إجمال وتفصيل (1589) ، وخلاصة ما ذكره أن الأدلة النقلية لا تكون قطعية الدلالة على مدلولاتها، إذ التمسك بها موقوف على مقدمات عشر، كل واحدة منها ظني، والموقوف على الظني أولى أن يكون ظنيًّا، وهذه المقدمات لا بد منها كي تدل النصوص على معانيها والمقصود بألفاظها، ومن ثم فإن معرفة المراد من نص ما يتوقف على ما يلي:

1 -معرفة معاني المفردات اللغوية، وهي منقولة بطريقة ظنية، عن طريق أفراد غير معصومين من الخطأ.

2 -معرفة صحة النحو؛ لأن اختلاف الإعراب يؤدي إلى اختلاف المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت