يختفي الاتباع والتوقف واختيار الأحوط، ومن ثم آثر المعتزلة التأويل كعمل عقلي على التفويض في حل مشكلة التعارض.
ثانيًا: غلبة رد الفعل في مواجهة المشبهة، مما أدى إلى المبالغة في الجانب المقابل، فالمعتزلة ظهروا في فترة انتشر فيها التجسيم والتشبيه عند بعض الاتجاهات المغالية، وطوائف من الشيعة، ويأتي على رأس هؤلاء مقاتل بن سليمان الذي نُقلت عنه أقوال في غاية الخطورة؛ كزعمه أن الله جسم وله جثة، وأنه على صورة إنسان، إلى آخر تلك الترهات التي عزاها إليه أبو الحسن الأشعري (1965) ، وهناك أيضًا السالمية، والكرامية، كما أعلن الشيعة الأوائل نظرية التجسيم، وأيدها فلسفيًّا تحت تأثير رواقي هشام بن الحكم (1966) ، وبجانب هذا كله كانت المسيحية تجسم الله في الخلق، وتخلع على عيسى عليه السلام صفات الألوهية، واشتهرت اليهودية بالتجسيم، وامتلأ كتابها المقدس بالعديد من نماذجه.
ولذلك اهتم المعتزلة بهذه القضية اهتمامًا كبيرًا، ووجهوا جزءًا غير قليل من جهودهم للرد على هذه الطوائف ونقض أقوالهم، وكما هي عادة ردود الأقوال فقد وُجد لديهم نوع من المغالاة في الطرف المقابل فأسرفوا في النفي، واتهموا كل من أثبت الصفات من أهل السُّنَّة أو الأشاعرة بالمشبهة، فكان الأسلم الاقتصار على التأويل فحسب.
ثالثًا: ويتصل بالعامل السابق أن المعتزلة انشغلوا بصورة كبيرة في مواجهة خصوم الإسلام وأعدائه من المجوس، والمانوية، والزنادقة، والبراهمة، واليهود، والنصارى، وغيرهم، وربما وُوجهوا بوجود نصوص الصفات في القرآن، وأحسوا بأن التفويض لا يعد رأيًا حاسمًا يقطع شبهة الخصم وعناده، ويشوبه التردد والظهور بمظهر ضعيف الحجة الخالي من البرهان، فلم يقبلوه أو يلجئوا إلى القول به.
رابعًا: إحساسهم بأن في التأويل مخرجًا كافيًا من التعارض المفترض بين النقل والعقل، وقد نص القاضي عبد الجبار على أن «دليل العقل إذا منع من الشيء، فالواجب في السمع إذا ورد ظاهره بما يقتضي ذلك الشيء أن نتأوله» (1967) ، ولم يذكر طريقة أخرى، وما دام التأويل كافيًا فلا حاجة للقول بالتفويض (1968) .