(جـ) ووصف المعتزلة جعفر بن مبشر (ت 234 هـ) بأنه كان يميل إلى ما يشبه قول أهل الظاهر، فيرى اتباع ظاهر القرآن والسُّنَّة والإجماع، ويكره -بل ينكر- الرأي والقياس (965) ، وهي ظاهرة مستغربة؛ إذ يصعب أن يجتمع -في شخص واحد- إطلاق العِنَان للرأي وإعمال العقل في أصول الدين وعقائده، ثم ذم ذلك وكراهيته والرد على أصحابه، والاتباع التام للنصوص في الفروع الفقهية. وعلى أية حال، فالذي يعنينا هنا هو احتجاج جعفر بالإجماع واستمساكه به.
(د) ويؤكد الخياط على حجية الإجماع، منبهًا إلى أن كل واحد من الأمة إذا جاز عليه الخطأ، فإن الأمة بأسرها لا يجوز عليها الخطأ فيما تنقله عن نبيها؛ لأنها حجة فيما ينقل عنه (966) ، ثم يحكم على الخارج عن الإجماع والمخالف للأمة بأنه مستحق للإكفار والبراءة منه (967) .
كما يرد على ابن الراوندي والشيعة فيما نسبوه إلى نفر من المعتزلة من أقوال تنكر الإجماع أو تخالفه، وتجوِّز اجتماع الأمة كلها على الخطأ والضلال، فيُبرئ أصحابه ويتهم الشيعة بأنهم القائلون بذلك لا المعتزلة (968) ، ويحكى عن واصل بن عطاء (969) وأبي الهذيل العلَّاف (970) احتجاجهما بالإجماع، واعتمادهما عليه في بعض المسائل.
(هـ) أما القاضي عبد الجبار، فإنه إضافة لتنصيصه الصريح -الذي سقناه آنفًا- على تعداد الإجماع ضمن مصادر الأدلة، فقد استفاض في الكلام عنه بسائر تفصيلاته، وخصه بمباحث ضافية وموسعة في الجزء الخاص بالشرعيات من «المغني» (971) ، وفي كتابه الأصولي المفقود «العمد» والذي ورد معظمه مضمنًا في كتاب أبي الحسين البصري «شرح العمد» (972) ؛ حيث تعرض للحديث عن مفهوم الإجماع، وإمكان وقوعه، وفَصَّل الأدلة على حجيته، وناقش آراء الخصوم وشبهاتهم، مفندًا لها ورادًّا عليها.
ومن بين الأمور المهمة التي تعرض لها القاضي ما حكاه عن عدد من مشايخه -كأبي علي وأبي هاشم الجبائيين وأبي عبد الله البصري- من أقوال تبين إقرارهم بحجية الإجماع، وأنواع الأدلة التي ساقوها لإثباته، وعدد من المسائل التفصيلية المتعلقة به (973) .
(و) وقد حذا أبو الحسين البصري حذو شيخه القاضي عبد الجبار في الحديث عن مباحث الإجماع وقضاياه، وإن تميز كلامه بمزيد من البسط والتفصيل، ومع أنه يبدو دائرًا في فلك شيخه