في «شرح العمد» (974) إلَّا أن نوعًا من الاستقلالية يبرز بدرجة أكبر في كتابه «المعتمد» (975) .
وهو يلخص موقفه من حجية الإجماع بعبارة موجزة فيقول: «اعلم أن إجماع أهل كل عصر صواب وحجة، وقال النظَّام: ليس ذلك حجة» (976) . ويظهر من سياق كلامه أن المعتزلة جميعهم مقرون بذلك ما عدا أبا إسحاق النظَّام، الذي سنعرض لتفصيل موقفه بعد قليل.
(ز) ويستشهد الزمخشري على حجية الإجماع بقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] مفسرًا السبيل بأن المراد به «ما هم عليه من الدين الحقيقي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسُّنَّة» (977) .
(ح) ويرد ابن المرتضى على من أسماهم بالمجبرة، الذين يرون أن المعتزلة إنما أُطلق عليهم هذا اللقب من جراء مخالفتهم للإجماع في حكم مرتكب الكبيرة، فيقول: «لم يخالفوا الإجماع؛ بل عملوا بالمجمع عليه في الصدر الأول، ورفضوا المحدثات المبتدعة» (978) .
وفي نهاية هذا التتبع الموجز لآراء أئمة المذهب في مراحله المختلفة، والتي ظهر من خلالها أن المنحى العام للفكر الاعتزالي يتبنى القول بحجية الإجماع ويعتد بها، تجدر الإشارة إلى أمرين مهمين:
الأول: أن حجية الإجماع عند المعتزلة تمر بعدة مراحل قبل إثباتها (979) ، فلا بد أولًا من معرفة الله بالتوحيد والعدل، والعلم به إلهًا حكيمًا مرسِلًا للرسول، ثم لا بد ثانيًا من معرفة صدق الرسول، وبعد هاتين المرحلتين يأتي إثبات حجية الكتاب باعتباره كلام الله المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم والذي ثبت صدقه، ثم حجية السُّنَّة باعتبارها كلام هذا الرسول المعصوم.
وأخيرًا، يأتي إثبات حجية الإجماع كفرع على كون الكتاب والسُّنَّة حجتين؛ لأنه ناشئ عنهما ومستند إليهما، ولعل هذا التسلسل المنهجي في سبيل الوصول لحجية الإجماع كان سببًا في وضعه كمصدر أخير في قائمة الأدلة المعتمد عليها.