الآخر: وتفريعًا على الفكرة السابقة، قرر المعتزلة أن حجية الإجماع راجعة إلى السمع وأدلته فحسب، وأما الاستدلال بالعقل على صحته أو ثبوته فليس بصواب، ولا يمكن تحققه (980) ، ومن ثم دارت جُلُّ حججهم حول آيات من القرآن، وأحاديث من السُّنَّة لا تخرج عن كونها آحادًا بالمفهوم الاعتزالي (981) ، مما اضطرهم للحكم عليها بالتواتر المعنوي (982) ، متحاشين الوقوع في إشكال غير يسير ناشئ من تجويز إثبات أصل شرعي كالإجماع بأدلة ظنية.
ولكن يبقى أنه حتى مع الإقرار بقطعية ثبوت تلك الأدلة التي أوردوها من الكتاب والسُّنَّة، فإنها تظل -وَفْقًا للمنهج والأصول الكلامية- ظنية الدلالة، مما سيؤثر بدوره على النظر للإجماع، وترتيب مكانته بين غيره من الأدلة، والحكم عليه بالقطعية أو الظنية، وإمكانية الاعتماد عليه في مجال الاستدلال على المسائل العقدية، التي لا تقبل عند المعتزلة إلَّا الأدلة القطعية وحدها.
المعتزلة وإنكار حجية الإجماع
لعله صار واضحًا بعد ذكر النقول المتقدمة أن جُل رجال المذهب قائلون بحجية الإجماع ومقرون بها، ولكن ثمة أنواع ثلاثة من الاتهامات التي أثيرت حول حقيقة موقفهم، سواء على مستوى الأقوال النظرية، أو فيما يتعلق بالمسائل المجمع عليها، فقد اتُّهِمَ المذهب برمته أنه يُنكر حجية الإجماع ولا يعتد بها، ووُصِفَ -في أحيان أخرى- بعض أئمته بتلك التهمة، كما نُقل عن الكثيرين منهم قدر كبير من المخالفات لمسائل أجمعت الأمة على اعتقادها أو العمل بموجبها، وسنذكر فيما يلي نماذج لكل نوع من هذه الاتهامات:
1 -أما اتهام المعتزلة ككل بإنكار حجية الإجماع، فنجده عند ابن الراوندي وطائفة من الشيعة الإمامية، وقد اتخذوا من هذا القول سبيلًا للطعن عليهم، وإبرازهم في صورة المخالفين لكلمة الأمة، والخارجين عن اتفاقها، والمجوِّزين لوقوعها في الخطأ، أو اجتماعها على الضلال، وسبق أن أشرنا إلى رد الخياط على كلام ابن الراوندي ومَن تابعه من الشيعة بما فيه الكفاية (983) .
وعلى نفس المنوال نسب أحد أئمة الأشاعرة -وهو أبو المظفر الإسفراييني- الإمام الأشعري المعروف إلى جميع المعتزلة القول بإنكار حجية الإجماع (984) ، وجعلهم يحيى بن أبي الخير اليمني عنه بمعزل؛ لأنهم لا يعتدون بإجماع الفقهاء، ويطعنون في الصدر الأول من الصحابة، مما يقطع الطريق تلقائيًّا أمام حصول أي نوع من أنواع الإجماع (985) .