فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 584

ولا شك أن سحب هذه التهمة على جميع المعتزلة مجافٍ للصواب، ويشتمل على قدر كبير من الجور والتعصب، لا سيما مع ما سقناه من نصوص واضحة لهم تبين اعتدادهم بالإجماع وقولهم بحجيته ودفاع بعضهم عنها، وإذا صح شيء من هذا الاتهام فإنما ينطبق على أفراد منهم وليس على الجميع، بمن فيهم من متقدمين ومتأخرين.

2 -ثم تحددت التهمة السابقة بصورة أكثر تخصيصًا، ونُص على أسماء جماعة من رجال المذهب، حُكي عنهم إنكار حجية الإجماع، بدلًا من تعميم هذا القول عليهم جميعًا، وممن رُمي بذلك: جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وقد عزا إليهما تلك المقالة الطوسي الشيعي (986) ، ولم يذكرها أحد غيره، وليس لها أثر في مؤلفات المعتزلة، كما لم يحكها خصومهم -كابن الراوندي- ولم ترد عند أئمة الأشاعرة؛ بل صرح الجويني بأن النظَّام هو أول مَن باح بإنكار الإجماع ورده، وليس مسبوقًا بسلف في مذهبه ذاك (987) ، وقد تقدمت الإشارة إلى ما وُصف به الجعفران من نزعة ظاهرية، واتباع لموجب النصوص والإجماع (988) ، بما يقطع بعدم صحة هذا الاتهام.

والحال نفسه فيما رَمَى به ابن الراوندي أبا الهذيل العلَّاف من مخالفة الإجماع ورده (989) ، فعصبية ابن الراوندي وتجنيه على المعتزلة أظهر من أن يدلل عليهما، وقد قابل الخياط الاتهام بإثبات ما يضاده؛ فحكى عن أبي الهذيل احتجاجه بالإجماع واستناده إليه في بضع المسائل (990) .

ويبقى إبراهيم النظَّام أشهر من أضيف إليه إنكار حجية الإجماع من المعتزلة، وأظن أن موقفه يستحق أن يُخصَّ بمزيد من التفصيل؛ حيث حصل تنازع في تصوير حقيقة مذهبه، سواء من ناحية إمكان وقوع الإجماع أو حجيته.

وسبق أن أسلفنا مفهوم الإجماع عند النظام، وأنه يعني به «كل قول قامت حجته ولو كان قولًا واحدًا» (991) وهو تعريف خاص ومقصور عليه، ولم يتابعه فيه أحد، كما أنه لا يتماشى مع المعنى العرفي أو الاصطلاحي، والمهم أن تصوره للإجماع على هذا النمط كان مدعاة لأن يتهمه بعض الأشاعرة (992) بابتكار هذا المعنى؛ ليتوصل من خلاله إلى إنكار الإجماع الأصولي المعروف دون أن يُرمى بمخالفة سائر الأمة، وإن كان في هذا التعريف -مع ما يشتمل عليه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت