الأمر لم يكن لقيمتها الذاتية؛ وإنما كسلاح ووسيلة للرد على الخصوم وإبطال شبههم؛ لكن من الطبيعي أن يتطور الأمر فلا يُكتفى بهذا الغرض، وتبدأ الأفكار والمبادئ الفلسفية في التسرب إلى المذهب، وتسهم في تشكيل فكر رجاله والآراء التي تبنوها (1722) .
وتَأَثُّر المعتزلة بالفلسفة من الحقائق الثابتة التي دلت عليها الشواهد العديدة، واعترف بها نفر من رجال المذهب أنفسهم، وعلى الأقل فيما يخص عددًا من أئمتهم الكبار؛ كأبي الهذيل العلَّاف، وإبراهيم النظَّام، ومعمر بن عباد السلمي، والشحام، وأبي الحسين الخياط، وغيرهم.
فلأبي الهذيل -الذي عده البعض أول فليسوف مسلم (1723) ، أو أول متكلم تأثر بالفلسفة (1724) - اشتغال واسع بكثير من المسائل الدقيقة والمشاكل الطبيعية، فقد خاض فيها وأدلى بدلوه في هذه الأبحاث الشائكة، وذكر ابن المرتضى -مؤرخ المعتزلة- أن له ستين كتابًا في الردِّ على المخالفين في دقيق الكلام وجليله (1725) ، ومصطلح دقيق الكلام يراد به عند المعتزلة مسائل الفلسفة الطبيعية الدقيقة؛ كالجوهر، والعرض، والوجود، والعدم، والبقاء، والفناء، وما أشبهها، والتي يفخر الخياط أن أصحابه هم المتقنون لها دون سواهم من سائر الفرق (1726) .
ومن ضمن المسائل التي تعرَّض لها العلَّاف تعريف الجسم، والفرق بينه وبين الجوهر الفرد، ونواحي كلٍّ منهما، وإثبات الجزء الذي لا يتجزأ، وبيان صفاته، وكونه لا طول له ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع فيه ولا افتراق، ولا يجوز عليه اللون والطعم والرائحة، والحياة والقدرة والعلم، ويجوز عليه الحركة والسكون والانفراد، كما يجوز أن يخلق الله فينا رؤية له، وتكلم عن الحركة والسكون، وأنكر القول بالطفرة، وقال: إن للجسم وقفات خفية، وبيَّن أن الأعراض تنقسم بالمكان أو الزمان أو الفاعلين، وأن الأرض ساكنة واقفة لا على شيء، وجوَّز وجود عرضين في مكان واحد، وغير ذلك من المباحث الدقيقة (1727) .
ويظهر من تلك المقالات مدى أثر الفلسفة التي اطلع عليها، وتناوله لفرعيات المسائل، وتغلغله وراء الخفي منها والدقيق، مما انتهى بأبي الهذيل إلى نقل الفكر الاعتزالي من ميدان الدعوة الإصلاحية الاجتماعية إلى قاعة الدرس والبحث والجدل والتمحيص، ووضع الملامح العامة للمذهب، التي حددت شخصيته فيما بعد، وقادته إلى حركة جدلية كبرى جعلت المغالبة أهم أهداف علم الكلام، وأبعدته تدريجيًّا عن مهمته الأصلية، كناصرٍ للعقيدة الإسلامية السهلة