ولعلَّ مشكلة كثير من المتكلمين أنهم لم يفهموا من النصوص إلَّا ما يُماثل صفات المخلوقين وأفعالهم، وظنوا أن ذلك هو المعنى الظاهر من لفظ الآية أو الحديث، بل زادوا من تلقاء أنفسهم ما لم يرد في الأدلة السمعية، فالرازي -على سبيل المثال- يحكي أنه «ورد في القرآن ذكر الوجه، وذكر العين، وذكر الجنب الواحد، وذكر الساق الواحدة، وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة، وله جنب واحد، وعليه أيد كثيرة المتخلية، وله ساق واحدة، ولا نرى في الدنيا شخصًا أقبح صورة من هذه الصور المتخلية ولا أعتقد أن عاقلًا يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة» (1853) ثم أوجب تأويل تلك النصوص؛ لئلا تصير سببًا للطعن في القرآن والسنة.
وواضح أنه قد رَكَّب صورة متخيلة، لا وجود لها من قريب أو من بعيد في الأدلة الشرعية، فمن الذي قال: إن الجنب وصف لله، ومن الذي قال: إن له سبحانه وتعالى عينًا واحدة أو أيادي كثيرة، وحتى لو وردت مفردات هذه الأوصاف فلا يجوز بحال أن يطلق المسلم لخياله العنان ليركب من هذه المفردات صورة متكاملة، إلَّا إذا كان قد فهم الأمر على هيئة بشرية، ثم قاس الأمور ورتَّب النتائج على تلك المقدمات.
ولعل الحل في هذه النصوص كان أيسر منالًا بكثير لو قُدِّر للمتكلمين أن يفرقوا بحسم ووضوح بين عالمي الغيب والشهادة، وصفات الخالق والمخلوق، وأثبتوا ما ورد في الشرع على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته دون تشبيه أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل أو تحريف أو تأويل، ودون خوض في تفصيلات ما كان أغنى المسلمين عن الاشتغال بها أو التنازع حولها.
ويشترك المعتزلة ومتأخرو الأشاعرة في القول بأن ظاهر بعض النصوص يوهم التشبيه، وعليه فمن الواجب أن تؤول، وقد نصَّ القاضي عبد الجبار على أنه: «إذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه وجب تأويلها» (1854) وجعل أبو علي السكوني تأويل جميع ما ورد في الشرع من المشتبهات التي تستحيل ظواهرها على الله واجبًا بالكتاب والسُّنَّة والإجماع (1855) ، وتسلسل الأمر إلى درجةٍ من الغلو لا تُقبل بحال عند بعض متأخري الأشاعرة، فما دامت ظواهر عدد من النصوص توهم التشبيه والتجسيم فإن الأخذ بها من أصول الكفر (1856) ، كما صرَّح الصاوي، وبهذه الطريقة يصير كل نص مشتمل بظاهره على ما لا يليق بالله تعالى واجب التأويل، وكثيرًا ما تتكرر تلك العلة عندما يعمد أحد رجال المدرستين إلى تأويل آية أو حديث، وثمة مؤلفات كاملة أُفردت لتغطية هذا الجانب، وعُني أئمة