فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 584

فالتوراة قد امتلأت بالعديد من النصوص المصرحة بالتجسيم، والتي تنسب إلى الله الصفات البشرية، وتصوره سبحانه وتعالى كما لو كان إنسانًا يندم ويحزن، ويصارع ويمكر ويدبر المكائد، ويجهل الحقائق، ويمشي في أرجاء الجنة باحثًا عن آدم عليه السلام وهو لا يدري أين يختبئ!!

وليست النصرانية أحسن حالًا، ففكرة التجسيد للإله واضحة عندهم؛ إذ أثبتوا ما يسمى بالأقانيم الثلاثة، وقالوا بتدرع اللاهوت بالناسوت، وألَّهوا عيسى عليه السلام، وهو بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وينام ويمرض، ويتعب وينصب، وزعموا أنه الرب وابن الإله (1852) ، وجاء الإسلام ليزيل الغبش والأباطيل التي شوشت على صفاء عقيدة التنزيه والتقديس، وتقررت القاعدة القرآنية العظيمة {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] واجتمعت طوائف الأمة على تنزيه الله عن القبائح وكل ما لا يليق به، كإثبات الشريك، والعجز، والسِّنة والنوم، والظلم، ومشابهة المخلوقين، وغير ذلك مما لا يصح أن يوصف به سبحانه وتعالى.

ولكن الاختلاف وقع بعد ذلك في جانب التطبيق والحكم على وصف أو فعل مما يُنسب إليه سبحانه وتعالى بالجواز أو المنع، فإثبات الصفات زائد على الذات، والمغايرة لها في المفهوم يستلزم التشبيه وتعدد القدماء عند المعتزلة، بينما هو من صميم التوحيد عند أهل السُّنَّة والأشاعرة، وإثبات رؤية الله تعالى في الآخرة نوع من التجسيم عند المعتزلة، ولا شيء فيه عند أهل السُّنَّة والأشاعرة، وهكذا الحال في إضافة أفعال العباد إلى الله خلقًا، وإثبات الشفاعة، وإخراج عُصاة الموحدين ومرتكبي الكبائر من النار، فكل ذلك مخلٌّ بعدل الله عند المعتزلة، ولا إشكال فيه عند غيرهم.

أما الصفات الخبرية، كالعلو والاستواء، والمجيء والإتيان، والوجه واليدين والعينين، والرضا والغضب والسخط، وما أشبه ذلك مما ورد في القرآن أو السُّنَّة- فقد اتفق المعتزلة ومتأخرو الأشاعرة على أن إثباتها يؤدي إلى تجسيم الله وتشبيهه بالمخلوقين؛ ومن ثَمَّ فلا بدَّ من تأويل النصوص المصرحة بها بينما أثبتها أهل السُّنَّة على الوجه اللائق به سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت