من خارج الدائرة الإسلامة؛ كالسمنية والسوفسطائية، أو من داخلها مثلما حُكي عمَّن يسمون بالحشوية (1678) .
وعمومًا، فإن حجية الدليل العقلي عند رجال المذهبين صارت من الثوابت التي لا تقبل التشكيك أو النزاع، وتقف جنبًا إلى جنب مع حجية الدليل النقلي -إن لم تزد عليها- وقد تبيَّن لنا فيما مضى اتفاقهم على امتناع تعارض الدليلين حقيقة وفي نفس الأمر، ولو وقفوا عند هذا القدر لما نشأت فكرة تقديم أحدهما على الآخر، ولما أصبحت مشكلة تحتاج إلى حل؛ لكن مع تجويزهم وقوع التعارض الظاهري، فقد اضطروا إلى البحث عن مخرج، وذلك أن العمل بالدليلين المتناقضين معًا مُحال، ورفعهما بالكلية ممتنع، فما بقي إلَّا الترجيح وتقديم أحدهما على صاحبه.
وإذا عقدنا مقارنة سريعة بين نظرة المعتزلة والأشاعرة لكل من النقل والعقل من خلال الأسس المنهجية التي انتهوا إليها، والمتمثلة في فكرة الدور، ومسألة القطعية والظنية، فيمكن أن نخرج بعددٍ من النتائج الخطيرة، من أهمها (1679) :
1 -يتوقف ثبوت الدليل النقلي، وتقرير صحته وصدقه على الدليل العقلي، إذ لا بدَّ من معرفة الله وصدق الأنبياء أولًا، ولا يتم ذلك إلَّا عقلًا، بينما لا يتوقف ثبوت الدليل العقلي على النقلي؛ لأنه ثابت في نفسه لا لأمر خارجي.
2 -الدليل النقلي يفيد الظن؛ لتوقفه على مجموعة من الشروط التي يصعب التحقق منها، بينما يفيد الدليل العقلي -إذا ثبتت مقدماته- القطع واليقين.
3 -لا يتصور وجود دليل نقلي محض غير معتمد على مقدمة عقلية، ولا بد أن يتركب مع الدليل العقلي، بينما يمكن أن يوجد الدليل العقلي المستقل.
4 -صحة الدليل النقلي موقوفة على إثبات الجواز العقلي، وانتفاء معارضته لمقررات العقول، بينما لم يشترطوا العكس في الدليل العقلي.
5 -يستقل الدليل العقلي وحده بإثبات أصول العقيدة، وأخطر مسائلها شأنًا، ولا مدخل للنقل فيها سوى التأكيد؛ كإثبات حدوث العالم، ومعرفة الصانع، وكونه عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا،