فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 584

(هـ) وهناك آيات أخرى لا تخالف أصلًا من الأصول الاعتزالية، ولكنها تثبت بعض المغيبات التي تعلو على الإدراك العقلي ومع ذلك قام المعتزلة بتأويلها، ومن ذلك قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} [الأحزاب: 72] فيُفهم من السياق أن الكائنات المذكورة تعقل وتتكلم، ويتأتى منها القبول والرفض، وقد حملها المعتزلة على تقدير محذوف، والمراد عرض الأمانة على أهل السموات وهم الملائكة، وأهل الأرض والجبال وهم الإنس والجن (1917) .

كذلك حمل القاضي عبد الجبار والزمخشري قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] على التسبيح بلسان الحال لا المقال، وهي تدل على توحيده وتنزيهه عن الأشباه، لا أن المراد به القول الذي يسمى تسبيحًا (1918) ، وعلى نفس المنوال أولوا كلام الأرض والسماء الوارد في قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] بالانقياد والخضوع من غير أن يكون هناك خطاب وجواب (1919) ، ولا أظن أن هناك ما يدعو لهذا التأويل بحال، ولا يُستغرب تكلم هذه المخلوقات إذا كان الله أخبر بأنها قد تكلمت، وليس في ذلك ما يحكم العقل بامتناعه أو استحالته، وليس من شرط الكلام -كما قال المتكلمون قديمًا- وجود الحنجرة واللهوات وغير ذلك، ولعل في عصرنا الحديث وما اشتمل عليه من مخترعات كالراديو وغيره ما يهدم تلك الفكرة من أساسها، ثم إن المعتزلة أنفسهم قالوا: إن الأصل في نصوص القرآن أن تُحمل على ظاهرها ما دام ذلك ممكنًا، وليس ههنا مانع يحول دون هذا الإمكان.

وتبقى تأويلات أخرى كثيرة امتلأت بها كتب المعتزلة ويطول المقام بذكرها تفصيلًا (1920) ، وهي تؤكد ما سبق أن قررناه من شيوع التأويل واعتباره إحدى السمات الغالبة على طريقة تعاملهم مع الدليل النقلي، لكن مع هذا الإسراف في التأويل فإن التمايز يظل موجودًا بين تأويلاتهم وتأويلات الباطنية أو الفلاسفة، وقد أنصف الغزالي المعتزلة في هذه الجزئية، فقال: «المعتزلة يقرب مناهجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد، وهو أن المعتزلي لا يجوِّز الكذب على الرسول بمثل هذا العذر -أي: إصلاح الخلق- بل يؤول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه، والفلسفي لا يقتصر على مجاوزته للظاهر على ما يقبل التأويل على قرب أو على بعد» (1921) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت