«تزغ» المنسوبة إلى الله: العلم بها زائغة، وليس إزاغتها بالفعل (1912) ، ولا يخفى مدى بُعد هذا التفسير عن المعنى المتبادر من الآية.
كذلك لما كان قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] دالًّا على أن أفعال العباد مخلوقة كلها لله؛ فقد حملوا المعنى على أن الله خلقكم وما تعملون فيه وهو الأصنام، ولم يرِد أعمالهم؛ لأن المعبود هو الخشب دون عملهم، فـ «ما» منصوبة على الموصولية وليس المصدرية؛ أي: إنكم وما تصنعونه من أشياء مخلوق لله وليس أعمالكم نفسها (1913) .
وعلى نفس المنوال فسروا الآيات التي ينسب فيها الإضلال أو الهداية إلى الله وليس إلى العباد، كقوله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل} [الزمر: 36، 37] بأن المراد: من يجده ضالًّا فما له من هادٍ ما لم يهتدِ بنفسه، أو من يحكم بضلاله ويصفه بأنه ضال لا يصفه أحد بأنه مهتدٍ، وكذلك من اهتدى بهدى الله تعالى لا يضله أحد، أو من حكم الله تعالى بهداه أو الأخذ به إلى طريق الجنة والثواب لا يضله عن ذلك أحد (1914) ، وبذلك خرجت نسبة الهداية أو الإضلال من الرب إلى العبد.
(جـ) في الوعد والوعيد: شعر المعتزلة بأن قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [آل عمران: 129] يدل على أن مرتكب الكبيرة داخل في المشيئة حتى لو لم يأتِ بالتوبة، وهذا ما يتعارض مع مذهبهم؛ فأولوا الآية بأن الله سيغفر بشرط التوبة والإيمان، مع أن استثناء الشرك حينئذٍ لن يكون له معنى؛ لأنه مغفور مع التوبة والإيمان؛ ولذا اضطروا إلى تأويل آخر في غاية البعد، فقالوا: إن الله قادر على المغفرة لمن يشاء، ولكن لا يفعل إلا الحكمة، فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين (1915) .
(د) في المنزلة بين المنزلتين: يدل قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] على أن الناس قسمان؛ إما كافرًا وإما مؤمنًا، وهذا ما يتعارض مع قول المعتزلة بوجود نوع ثالث وهو الفاسق الذي ليس بمؤمن ولا كافر، ومن ثَمَّ وجهوا الآية على أن النوع الثالث مسكوت عنه ولم تتعرض الآية له بالنفي، وإنما الغرض منها ذكر الطرفين فحسب (1916) .