معاني التشبيه والتجسيم، وإثباتها يؤدي إلى امتناع الاستدلال بالسمع كلية؛ لأنه مبني على العلم بالله عدلًا حكيمًا، ليس بجسم (1908) ، ولعله يحسن بنا أن نسوق نماذج من تلك التأويلات مرتبين لها حسب أصولها المذهبية.
(أ) في التوحيد: أوَّلوا صفة الاستواء الواردة في عدة آيات وأحاديث بالاستيلاء والاقتدار والقهر، وإنما خص العرش بالذكر للتشريف أو لكونه أعظم المخلوقات في أفهام الناس، فنبه على أنه إذا كان مقتدرًا عليه مع عظمته فغيره من باب أولى (1909) .
وأوَّلوا صفة العلو، كما في قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] بأن المراد: في السماء نقماته وضروب عقابه؛ لأن من عادته أن ينزلها من هناك، وذكر الزمخشري تأويلًا آخر في غاية التعسف، خلاصته: أن المخاطبين بالقرآن كانوا يعتقدون التشبيه وأن الله في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم (1910) ، ويلزم من هذا التأويل أن القرآن يقر الناس على عقائدهم الباطلة ولا يغيرها، بل يخاطبهم تبعًا لها، وفي هذا ما فيه من غرابة ومجافاة للصواب.
كذلك أولوا الإتيان والمجيء، الواردين في قوله تعالى: {وجاء ربك} [الفجر: 22] ، وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، بمجيء أمره وقضائه وحكمه، أو مجيء آياته أو عذابه وحسابه، ومعنى الإتيان: أي يأتيهم الله بالحساب والعذاب على تقدير مضاف محذوف، كما أولوا «الوجه» بالذات، و «العين» بالحفظ والرعاية والكلاءة، أو بالعلم والرؤية، و «اليدين» بالقوة والقدرة أو النعمة، وأولوا «الرؤية» برؤية النعم والآلاء والمنن في الجنة (1911) .
(ب) في العدل: أولوا قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] فرارًا من نسبة الإزاغة إلى لله سبحانه وتعالى، وحملوا المعنى على عدة أوجه، منها: لا تبتلنا بأمر صعب، يثقل علينا القيام به والخروج إليك من حقه؛ فتزيغ له قلوبنا، أو أدم لنا ألطافك واصحبنا بهداك وعظمتك، حتى لا تزيغ قلوبنا فتعلمها زائغة، وبهذه الطريقة يكون معنى