فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 584

ولما كان المكلَّف في أشدِّ الحاجة إلى كلا الدليلين، فلا بد من توافقهما، وانتفاء أي نوع من التعارض أو التضاد عما يتضمنانه من أخبار وأحكام، والمتأمل في القرآن الكريم يدرك بوضوح ما للعقل من مكانة كبيرة ومنزلة رفيعة، وما لأصحابه من ثناء عاطر ومدح وافر، ويكفي أن من الشروط الأساسية التي لا بد من تحقيقها في كافة أنواع التكاليف الشرعية وجود العقل وسلامته من الآفات، وإذا فُقد أو طرأ عليه طارئ؛ من إغماء، أو نوم، أو جنون، رُفع الأمر والنهي، إما دائمًا وإما مؤقتًا بحسب الحال.

ويصعب علينا أن نحصر المواضع التي ورد فيها التأكيد على دور العقل وبيان فضيلته من القرآن الكريم، ومن ثَمَّ نكتفي بإيراد عدد من الأوجه التي تبين أن كتابًا كالقرآن اعتنى بالعقل هذه العناية البالغة، ورفع من شأنه بهذا المقدار لا يمكن أن يتضمن أو يشتمل على ما يتناقض مع العقل أو يتعارض مع أحكامه، ومن أبرز هذه الأوجه (1655) :

(أ) آيات يحث فيها القرآن على إعمال العقل كملكة فطرية خلقها الله منحة لعباده، وفيها يذكر سبحانه وتعالى عددًا من المخلوقات التي تثير مكامن العقول، وتدعوها إلى النظر والتعقل؛ كقوله سبحانه وتعالى: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [النحل: 12] . وقوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} [النحل: 67] .

(ب) آيات تشير إلى وظائف العقل، وتوجيهه نحو اكتساب النظر، والتبصر، والتدبر، والتفكر، والتذكر، والتفقه، وكلها عمليات عقلية تختلف درجاتها لتعطي أبعادًا أوسع وأشمل في عملية النظر العقلي، فقد ورد الأمر بالنظر في مائة وتسع وعشرين آية، منها قوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} [عبس: 24] . وقوله: {فلينظر الإنسان مم خلق} [الطارق: 5] . وقوله: {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء} [الأعراف: 185] .

كذلك ورد الأمر بالتبصر؛ كما في قوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] وبالتدبر؛ كما في قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82] وبالتفكر؛ كما في قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الجاثية: 13] وبالاعتبار؛ كما في قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت