العقل كليًّا أو جزئيًّا، والتعوذ بالله من الوسواس الذي يصيب بعض العقول، فيعطلها عن وظائفها، وجعل الإسلام في زوال العقل بسبب الاعتداء عليه ديَة كاملة، كما حارب التقليد وذم أصحابه ونهى عن الخرافة، والشعوذة، والكهانة، والتنجيم، وسائر المعوقات التي تحول بين العقل وأداء دوره المنوط به (1656) .
ولكن هذا المدح المستفيض للعقل، والحث على إعماله، والثناء على أربابه، لا يعني إطلاق العنان له كي يجول في كافة الميادين، دونما قيد أو حد؛ بل ثمة ضوابط شرعها الإسلام لتريح العقل من عناء التفكير غير المجدي، وبذل الجهد فيما يعلو إدراكه (1657) .
فأمور الدنيا، وتفاصيل المعاش مجال رحب وفسيح، ليبتكر خلالها العقل ويبدع, أما أمور العبادات فموقوفة على ورود النص الشرعي من حيث إيجابها، وإن كانت لا تشتمل أبدًا على ما يتناقض مع العقل، وأما أمور العقائد فمنها ما يستطيع العقل أن يصل إليه ويدركه إدراكًا مجملًا دون تفصيل؛ كإثبات وجود الله ومعرفته واتصافه بالكمالات وتنزهه عن النقائص، وضرورة إرسال الرسل وبعث البشر في الآخرة وحسابهم على أعمالهم، وإثابة المحسن وتعذيب العاصي؛ لكن تفاصيل الأسماء والصفات التي يتصف بها الرب سبحانه وتعالى، وتفاصيل اليوم الآخر ومشتملاته المتعددة، كل ذلك خارج نطاق العقل ومدركاته.
ومن أمور العقائد ما لا يستطيع العقل أن يدرك كنهها، وإن فهم المعنى المراد منها فهمًا كليًّا ومجملًا كحقيقة ذات الله، وكنه صفاته، وحقيقة الروح، وسر القضاء والقدر، وما أشبه هذه المسائل، ومع ذلك فالشرع لا يأتي مطلقًا بما يناقض العقول أو يضادها، وإن أتى أحيانًا بما يعلو على إدراكها، وبتعبير ابن تيمية المشهور فالشرع لا يرد بمحالات العقول، وإن كان يأتي أحيانًا بمحاراتها (1658) .
وهكذا نخرج بحقيقة مهمة؛ وهي أن النقل هادٍ للعقل، ومرشدٌ له، وقائدٌ يُسَيِّره، ويأخذ بيده؛ لكنه في الوقت نفسه أخبار صادقة، وأوامر محكمة، ومبادئ يفهمها العقل في يُسرٍ وسهولة، ولا يحس تجاهها باختلاف أو معاندة، وعلى العقل الانقياد والتسليم فيما وراء إدراكه، واللجوء إلى النقل كميزان يختبر من خلاله صوابه وصحته، وصدق مقرراته وأحكامه في المجالات التي تعرَّض لها الشرع، حتى لا يحيد عن النهج السوي، أو يبتعد عن الطريق المستقيم (1659) .