والمصدر الثاني من المطاعن التي عُني المعتزلة والأشاعرة بردها؛ يتمثل في أقوال ومرويات نسبت لبعض أفاضل المسلمين تتضمن إنكارًا لسور قرآنية ثابتة في المصاحف، أو زيادة سور أخرى لا وجود لها في المصحف العثماني الذي أجمعت عليه الأمة، وتظهر خطورة تلك الأقوال بالنظر إلى مكانة قائليها، ومنزلتهم الرفيعة بين المسلمين، ثم لما تنطوي عليه من مساس وتشكيك في قطعية ثبوت القرآن وحفظه، ولا يبعد -كما حصل بالفعل- أن يستغلها أعداء الإسلام والحاقدون عليه، وهم كثر، لا يخلو منهم زمان أو مكان، ومن ثم شحذت تلك العوامل -مجتمعة- أهل العلم من كافة الاتجاهات والتخصصات لمناقشة تلك المرويات، وتوجيهها وجهة مقبولة، لا تخالف ثوابت الدين وأصوله المجمع عليها، ومن بين من اهتم بذلك أئمة المعتزلة والأشاعرة.
وأبرز من نسبت إليه أقوال من هذا القبيل الصحابيان الجليلان عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب رضوان الله عليهما؛ فقد حُكي عن ابن مسعود إنكار قرآنية المعوذتين، ونُسب إلى أُبي عدُّ القنوت كسورة من القرآن، وسوف نحاول أولًا التأكد من صحة تلك النسبة إلى قائليها، ثم يأتي دور النظر في مواقف أهل العلم من التعامل معها وتوجيهها.
وأثر ابن مسعود رواه البخاري في صحيحه عن زر بن حبيش، قال: سألت أُبي بن كعب، قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول: كذا، وكذا -أي: ينكر قرآنية المعوذتين- فقال أُبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: (( قيل لي، فقلت ) )، قال: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (287) ، وفي رواية أصرح من رواية البخاري، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى» (288) .
وأما أثر أُبي فعزاه السيوطي (289) إلى الطبراني في الدعاء، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ، وأبي عبيد، وابن الضريس، وتدور تلك الآثار حول إثبات أُبي لدعاء القنوت في مصحفه، وحكى هذا القول عن أُبي جمع؛ منهم ابن قتيبة (290) ، والباقلاني (291) ، والزركشي (292) ، والسيوطي (293) ، ومن المعتزلة: أبو علي الجبائي (294) ، وابن النديم (295) ، والقاضي عبد الجبار (296) ، والماوردي (297) .
وقد تنوعت مسالك أهل العلم في التعامل مع هذه المرويات، ويمكن إجمالها في اتجاهين بارزين: