أحدهما: يرفضها ويردها، والآخر: يقبلها مع محاولة إيجاد تأويل سائغ لها، وهذا إذا استثنينا المسلك الشاذ الذي ذهب إليه إبراهيم النظَّام؛ حيث اتخذ مما نُسِبَ إلى ابن مسعود سبيلًا للطعن فيه، والتشنيع عليه (298) ، وفيما يلي عرض لأشهر من ذهب إلى كلٍّ من المسلكين المشار إليهما.
المسلك الأول: رفض المرويات وردُّها
ويرى أصحاب هذا الاتجاه استحالة قبول هذه الآثار؛ كما أنها لصراحتها لا تحتمل التأويل، فالأسلم أن تُرفض جملة؛ حتى لا تخالف ما عُلم من الدين بالضرورة، وأجمعت عليه الأمة، وممن قال بذلك:
1 -الحاكم الجشمي: الذي اشتدت حملته على من قَبِلَ تلك الروايات، ووصفه بالجهل والتقليد، وعلى سبيل التنزل، فهي أخبار آحاد (299) ، وحكمها عند المعتزلة معروف، وسيأتي تفصيله فيما بعد.
2 -أبو الحسن الأشعري: وقد نقل عنه الباقلاني نصًّا مهمًّا يبين أن تلك القضية كانت مثار اهتمام الناس زمان أبي الحسن؛ حتى إنه حرص على تتبع مصحف أُبَيٍّ الذي قيل إنه زاد القنوت فيه ليرى مدى صحة هذا الكلام، يقول أبو الحسن: «وقد رأيت أنا مصحف أنس بالبصرة، عند قوم من ولده، فوجدته مساويًا لمصحف الجماعة، وكان ولد أنس يروي أنه روى أنه خط أنس، وإملاء أُبَي» (300) ، وصحيح أن الرواية لا تقطع بأن هذه النسخة نفسها من إملاء أُبي؛ لكن هذا هو الظاهر من سياقها، لا سيما أن مثل ذاك المصحف مما تتوفر الدواعي على الاحتفاظ به وصيانته.
3 -الباقلاني: وقد تعرض لمناقشة هذه المرويات في عدة مواضع من كتبه، وتنوعت آراؤه بين إنكار الروايات وردها، وبين تأويلها على فرض صحتها (301) .
4 -فخر الدين الرازي: وقد نحا منحى الإنكار لهذه الروايات في «التفسير الكبير» (302) ، وشكك في صحتها في نهاية العقول (303) ؛ لكن المثير للاستغراب أنه أوردها في «المطالب العالية» (304) دونما مناقشة كافية لها.