وتظهر الفرق والطوائف، والأمثلة في اليهودية والمسيحية أشهر من أن نُطيل في التدليل عليها (1837) .
ويلاحظ أن المؤول أيًّا كانت نوعية تأويله لا يستقبل النص متجردًا، ولا يتلقى مضامينه أو معانيه بإنصاف وموضوعية كاملة، بل يدخل إليه وعنده أفكار ومقررات مسبقة، يحاول ما وسعه الجهد أن يلوي عنق النص من أجلها، ويجتهد في تلوينه بما لديه من خلفيات فكرية، ولعل ذلك يُفسر لنا ظاهرتين جديرتين بالنظر والتأمل:
الأولى: أن التأويل دائمًا ما يظهر في الأجيال التي لم تشهد نزول الوحي أو النص الديني، ولم تعاصر الرسول المبعوث إلى تلك الأمة، ولا تكاد توجد أية نماذج للتأويل عند الأجيال الأولى؛ وذلك لانعدام الأسباب الداعية إليه.
الأخرى: أن هناك علاقة عكسية بين درجة التمسك بالنص وقوة الاتباع له وبين التأويل، فكلما زاد التعظيم للنص والتشبث به والتعويل عليه ندر التأويل أو قل، والعكس صحيح؛ فكلما قلَّ الاتباع وتباعدت المسافات بين النص وبين المنهج والمذهب زاد التأويل، وكثر استخدامه، وأظن أننا لو وضعنا نصب أعيننا خريطة للفرق الكلامية ومدى تمسك كل فرقة بالنص من ناحية، ودرجة التأويل عندها من ناحية أخرى، لوجدنا أن العلاقة المذكورة صادقة.
وبإمكاننا أن نوسِّع من مجال الاستقراء ليشمل الفكر الإسلامي بجملته، وعندئذٍ نجد ترتيبًا تصاعديًّا في درجة التأويل، يبدأ من الاتجاهات الباطنية، فالفلاسفة، فالمعتزلة، فالماتريدية، فالأشاعرة، وينتهي بالسلف وأصحاب الحديث الذين كان لهم موقف خاص تجاهه، وهكذا فإن المحك الحقيقي يعود إلى طريقة التعامل مع النص، والمفترض تصديق الكل وإيمانهم به، وباختلاف منهج التلقي يختلف الموقف من التأويل، وباختلاف درجة التسليم والاتباع تتباين المسالك في أخذ النص كما هو، طبقًا لقواعد التفسير المعتبرة لغةً وشرعًا، أو تلوينه بحسب رأي الناظر فيه وما عنده من أفكار واعتقادات.
ولما كانت دراسة التأويل متشعبة في مناحيها، ومتنوعة في جزئياتها ومسائلها، فسوف نركز في هذا المبحث على تناوله كواحد من طريقين للتعامل مع النص الشرعي عند توهم تعارضه مع العقل، تبعًا لقانون التعارض الذي عرضنا له عند المعتزلة والأشاعرة؛ ومن ثَمَّ نكتفي بالوقوف