ومزجرة للعباد، وبرهانًا في جميع البلاد، فكيف لم تعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر، ولم يُسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد» (711) .
ويكفي في الردِّ على النظَّام أن الله ذكر ذلك -ومن أصدق من الله قيلًا- فقال سبحانه: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] وسياق الآيات بعدها يدل على أن هذه حادثة وقعت بالفعل، وليست علامة من أشراط الساعة، فالآيات تتحدث عن إعراض المشركين عما يرونه من آيات، وتكذيبهم به وعدم إيمانهم مهما رأوا من بينات وحجج، مما يدل على أن هذه أمور ماضية لا مستقبلة.
وأما تعلله بأن انشقاق القمر لو وقع لرآه الناس جميعًا وأخبروا به، فلعل أبلغ إجابة على تلك الشبهة ما ردَّ به صاحبه في المذهب ومشايعه في الاعتزال؛ القاضي عبد الجبار، الذي ذكر أنه لا يلزم رؤية الناس جميعًا؛ لأنهم ما كانوا على ميعاد، وإنما هو شيء حدث ليلًا، كما أن القمر قد ينكسف فلا يراه إلَّا الواحد بعد الواحد (712) .
وتجدر الإشارة إلى أن الجويني نازع في تواتر حديث انشقاق القمر، وعدَّه من الآحاد (713) ، وذهب بعض المعاصرين كالشيخ شلتوت إلى مدى أبعد، فانتقد من وصفوا المعجزات الحسية بالتواتر مع أنها -من وجهه نظره- غير متواترة، بل أحادية كما قرره علماء الأصول (714) .
وقد أسلفنا أن الحكم على حديث ما بالتواتر أو عدمه مسألة يُرجع فيها إلى أهل التخصص المطلعين على الروايات وكيفية مجيئها، وأكثرهم صرَّح بتواتر هذه الأحاديث؛ كالقرطبي، وابن كثير، والسبكي، والزركشي، وابن حجر، فضلًا عن عدد من أئمة الأشاعرة كالباقلاني، وابن فورك، والقاضي عياض (715) .
وليس النظَّام وحده من بين المعتزلة، الذي وقف هذا الموقف من المعجزات الحسية؛ حيث شاركه في الرأي -وإن اختلفت الأسباب- كلٌّ من: هشام الفوطي، وعباد بن سليمان، وهما يقولان إن شيئًا من الأعراض لا يدل على الله، ولا على صدق الرسالة، ومن ثم ففلْق البحر، وقلْب العصا حية لموسى عليه السلام، وانشقاق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم لا يدل على صدق الرسول في دعواه (716) ، وواضح أنهما لا ينازعان في ثبوت تلك المعجزات -فبعضها ثبت