فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 584

أن لازم المذهب ليس بمذهبٍ، وأن الشخص إنما يؤاخذ بصريح أقواله، وليس بلوازم لم يقل بها، وربما لم تخطر له على بال.

وفي قضية التكليف بما لا يطاق وهل هو ممكن وواقع أم لا- رد القاضي على أبي الحسن الأشعري وأصحابه بعبارات شديدة وقاسية، مستخدمًا نفس المسلك المتقدم، وملقبًا أبا الحسن -على سبيل الإزراء والسخرية- بابن أبي بشر المخذول، فقال: «ومن العجب أن هذا المخذول كان يستدل بالسمع على المسائل، وعلى هذه المسألة خاصة، مع تجويزهم سائر القبائح -من الكذب وإظهار المعجز على الكذابين وغير ذلك- على الله تعالى، مع أن كلام الله تعالى إنما يكون حجة إذا ثبت أنه لا يُكذب، فأما والكذب جائز عليه فكيف تقع الثقة بقوله، وما الأمان له من أن هذا الذي يقع الاحتجاج به من الكذب الصراح ليس بالكذب» (1332) ، وبنفس الطريقة رد على استدلال خصومه بالسمع على صفتي المشيئة، والإرادة (1333) .

والذي نخلص إليه من خلال عرض الأمثلة السابقة: أن الاستدلال بالسمع صار متعذرًا على خصوم المعتزلة في أية مسألة عقدية، سواء أكانت مما يُعلم عقلًا أم مما يُعلم بالسمع أم مما يُعلم بهما، ولا فرق بين أن يكون الدليل آية أو حديثًا قطعي الثبوت والدلالة، غير قابل للتأويل، وبذلك استراحوا من عناء مناقشة هذه الأدلة وكَد الذهن في توجيهها، وإن كانوا بعد جوابهم بهذا الجواب الإجمالي يشتغلون -على سبيل التبرع لا الوجوب- بتأويلها وبيان عدم معارضتها لمذهبهم، وهي نتيجة في غاية الخطورة، تفوق في أثرها النتيجة السابقة، والتي قسمت المسائل إلى أقسام ثلاثة، نُحي السمع عن واحد منها فقط، وأما هنا فلا يصح الاستدلال بالسمع أصلًا لمن لم يوافق المعتزلة في أصلي التوحيد والعدل.

3 -ولم يقتصر غلق الطريق أمام الاستدلال بالسمع على الخصوم وحدهم، بل امتد ليشمل المعتزلة أنفسهم إذا كانت المسألة المراد إثباتها من النوع الأول، الذي لا يجوز التعويل فيه على الأدلة النقلية، وقد نقلنا فيما مضى عبارة أبي علي الجبائي (1334) وفيها يصرح بأن سائر ما ورد في القرآن لا يمكن الاستدلال به ابتداء في مسائل التوحيد والعدل، ويلتزم القاضي عبد الجبار بهذه القاعدة في جل استدلالاته، ويذكر مرارًا أن الاستدلال بالسمع في هذا النوع من المسائل لا يصح، كما فعل في سياق كلامه عن صفة العلم، مقررًا أن كل مسألة يبتنى عليها صحة السمع فالاستدلال به يجري مجرى الاستدلال بالشيء على نفسه، وذلك مما لا يجوز، ونحن ما لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت