إثبات صحته، مما أثر بدوره على قيمة الدليل النقلي ومكانته والحيز الذي شغله من استدلالات المتكلمين.
2 -وثمة أثر آخر من آثار فكرة الدور، مبني على نظرة المعتزلة إلى خصومهم من مثبتي الصفات، والقائلين بأن الله خالق أفعال العباد، خيرها وشرها، فقد اتهموهم بوصف الله بالقبائح؛ لأنهم نسبوا إليه الصفات المشابهة للمخلوقين، وجعلوه فاعلًا للشر والمعاصي حينما أسندوا إليه أفعال العباد، ولما كان ذلك كله من وجهة نظرهم مستحيلًا وقبيحًا فإن أصحاب تلك الأقوال مشبِّهة وجبرية لم ينفوا عن الله النقص والقبائح، بل وصفوه بها، وبذلك ينسد أمامهم الطريق للاستدلال بالسمع، والذي من شروطه الرئيسية: أن ينزه الله عن سائر القبائح، وبالتالي لا يمكن لأحد منهم الاحتجاج بالسمع على أية مسألة عقدية؛ لأن صحة السمع لم تثبت عنده أصلًا.
وقد بدت آثار تلك النتيجة عند أئمة المذهب ولا سيما القاضي عبد الجبار، الذي كثيرًا ما شهرها في وجه الخصوم، حينما يتعرض لمناقشة دلائلهم السمعية على نصرة مذاهبهم، ومن هذا القبيل ما فعله في مسألة أفعال العباد، فبعد أن قرر مذهب المعتزلة القائم على أن أفعال العباد مخلوقة ومحدثة لهم وليست من فعل الله سبحانه وتعالى (1330) - أخذ يسوق الأدلة السمعية لمخالفيه، القائلين بأن أفعال العباد موجودة من جهة الله سبحانه وتعالى، كقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ، وقوله: {إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] وغير ذلك من الآيات.
ثم شرع في الرد على أدلة الخصوم بجواب إجمالي، دون النظر في تفصيلاتها، مقررًا عدم إمكانية استدلالهم على هذه المسألة؛ لأن صحة السمع تُبنى على كونه تعالى عدلًا حكيمًا، لا يُظهر المعجز على أيدي الكذابين، وهم قد جَوَّزوا ذلك على الله تعالى، فكيف تقع لهم الثقة بكلامه، وهلا جوزوا أن يكون كذبًا (1331) .
ولا يخفى أن رد القاضي لا يخلو من التعصب المذهبي وإلزام الخصوم بما لم يقولوه مطلقًا؛ فلا أهل السُّنَّة ولا الأشاعرة ولا أي مسلم يجوِّز وصف الله بالقبائح، أو لا ينزهه عنها، وقد أسلفنا