وسبق أن ذكرنا أن الجبائي كان من القائلين بفكرة الدور، مما نجزم معه بوقوف أبي الحسن عليها واطلاعه على مضمونها، ومن المتوقع أن يكون قد تأثر بها وتبناها إبان مرحلته الاعتزالية، ويبقى السؤال عن موقفه منها بعد انخلاعه عن المعتزلة ومباينته لمنهجهم وآرائهم.
ولا يبدو من خلال مؤلفات الأشعري التي بين أيدينا أدنى مظهر أو أثر، لتبنيه للفكرة على المستوى النظري، كما أن مسلكه العملي في الاستدلال على المسائل العقدية يتعارض معها تمامًا، ولا تبرز عنده فكرة التقسيم الثلاثي للمسائل العقدية وتنحية السمع عن إثبات القسم الأول منها، بل نراه يستشهد بالأدلة السمعية ويحتج بها في مختلف أبواب الاعتقاد، بما في ذلك الأصول الكبار كإثبات وجود الله وتوحيده وسائر صفاته وصدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما نص المتكلمون على امتناع العلم به سمعًا (1355) .
وفي رسالة «أهل الثغر» يتضح بجلاء مدى المباينة التامة بين منهج أبي الحسن والمنهج الكلامي المتأثر بفكرة الدور، فالمنطلق الرئيسي عند الأشعري هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا ثبت صدقه بالآيات والمعجزات المتنوعة تلقى المكلَّف من أخباره سائر المسائل الاعتقادية دونما فرق بين نوع وآخر، ولم يلجأ إلى الطريقة الشائعة عند المتكلمين، والمعتمدة على البدء أولًا بإقامة الدلائل على وجود الله، وإثبات صفاته ومنها الكلام، ثم إثبات النبوات، ثم تلقى سائر العقائد والشرائع، بل ينتقد الأشعري بشدة استدلال المتكلمين بطريقة الجواهر والأعراض، والتي لا يصح الاستدلال بها إلا بعد مراتب كثيرة، يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها (1356) .
وبعد أن عدَّد أوجه صعوبتها -مُبرزًا الفرق الشاسع بينها وبين طريق القرآن- بيَّن أن الاستدلال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم سهلٌ واضحٌ «لأن آياته والأدلة على صدقه محسوسة مشاهدة، وقد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه» (1357) .
ولا يعكر على ما سبق عبارةُ أبي الحسن في رسالته «استحسان الخوض في علم الكلام» والتي ثار حول صحة نسبتها إليه نزاع واختلاف (1358) ، حيث يرى أن «حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أصول الشرائع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كل شيء من ذلك إلى بابه، ولا تخلط العقليات بالسمعيات، ولا السمعيات