بالعقليات» (1359) ، فهذا النص ورد في سياق خاص يتحدث فيه عن حكم إلحاق غير المنصوص عليه بما نص الشرع على حكمه، فهي إذن في مجال العمليات لا العلميات، ولا يمكن بالتالي أن يُستخلص من بين ثناياها وجود بذور لفكرة الدور عند أبي الحسن، وهو الذي يحاول في هذه الرسالة ما وسعه الجهد أن يربط كل الآراء والمصطلحات الكلامية بالسمع، رادًّا كل واحد منها إلى أصل قرآني أو نبوي، مصرحًا بأن الكلام في أصول التوحيد والعدل مأخوذ من القرآن الكريم (1360) .
وعلى يد الباقلاني ظهرت أول بادرة للتأثر بفكرة الدور في نسيج الفكر الأشعري، وإن كان تحديد موقفه تجاهها قبولًا أو رفضًا قد شابه شيء من الاختلاف، ففي كتابه «إعجاز القرآن» تعرض بالنقد للأساس الأول الذي قامت عليه؛ حيث رد على من زعم أن وحدانية الله تعالى لا تعلم بالقرآن ولا طريق لإثباتها سوى العقل؛ لأن القرآن الكريم كلام الله عز وجل ولا يصح أن يُعلم الكلام حتى يُعلم المتكلِّم أولًا، ويجيب الباقلاني عن ذلك بأنه إذا ثبت إعجاز القرآن وعدم قدرة الخلق على مثله ثبت أن الذي أتى به غيرهم؛ ومن ثَمَّ يتحقق صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصير ما أُنزل عليه من القرآن حقًّا يجب اتباعه والانقياد إلى ما تضمنه (1361) .
ويُفهم من هذا الكلام -كما ذكر أستاذنا الدكتور حسن الشافعي- (1362) أن الباقلاني يرفض الأساس الذي قامت عليه فكرة الدور، لكني وقفت على شواهد ونصوص تدل بوضوح على أنه تأثر بها على نحوٍ ما، والتزم ببعض آثارها العملية.
فأبو حامد الغزالي يصور مذهب الباقلاني في حكم التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقدية حاكيًا عنه «جواز التمسك به -أي: النقل- في كل معقول ينحط إثباته عن إثبات الكلام للباري، فإنه مستند السمعيات؛ كما في مسألة الرؤية وخلق الأفعال؛ ولكن ليعتقد أن الدليل لا ينحصر فيه» (1363) ، وفي نص الغزالي تصريح بعدم إمكانية الاستدلال بالسمع فيما يتوقف ثبوته عليه، كمعرفة الله وإثبات كلامه وصدق النبوة، وهو ما يتعارض تمامًا مع كلام الباقلاني السابق، وقد نقل الزركشي في «البحر المحيط» (1364) ما يؤكد قبول الباقلاني لفكرة الدور؛ حيث صرح بعدم صحة الاستدلال بالإجماع فيما تتوقف صحته على ثبوته، حذرًا من الوقوع في الدور الممتنع.