وإذا كانت الشواهد المتقدمة مجرد نقول عن الباقلاني، وليس فيها نصوص من كتبه، فثمة كلام مهم صرح به الباقلاني نفسه في أحد كتبه الذي كان في حكم المفقود، وطُبع المجلد الأول منه حديثًا، وهو كتاب «التقريب والإرشاد» (1365) وفيه يتبنى فكرة التقسيم الثلاثي لمسائل علم الكلام تبنيا كاملًا، ويعد معرفة الله وصدق الرسول من القسم الأول الذي يُقتصر في إثباته على العقل، ولا يصح أن يُعتمد فيه على الأدلة النقلية (1366) ، كما أن الدلالة على صدق الرسول لا تتم عنده إلا بالمعجزة، ولا يثبت بغيرها من الدلالات على صدق الأنبياء وصحة رسالتهم (1367) .
وقد ظهرت إشارات عابرة لفكرة الدور عند بعض أئمة الأشاعرة ممن أتوا بعد الباقلاني كعبد القاهر البغدادي (1368) ، ثم وصلت إلى مرحلة الاستقرار الكامل لها في المذهب، وتمام التشابه مع المعتزلة على يد إمام الحرمين الجويني، الذي التزم بها وأكثر من ذكرها سواء في كتبه الكلامية أو الأصولية (1369) .
ويؤكد الجويني على أن كل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام الله تعالى ووجوب اتصافه بكونه صدقًا- لا يمكن أن تُدرك إلا بالعقل؛ إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت الكلام وجوبًا فيستحيل أن يكون مدركه السمع (1370) ، وهو يدافع عن إمامي مذهبه «الأشعري والباقلاني» حينما احتجا بأدلة نقلية على إثبات وجود الله وبعض الصفات الواجبة له؛ مبينا أن استدلالهم بالسمع على هذه المسائل لم يكن على سبيل الاحتجاج المستقل؛ بل هو تعضيد لأدلة النقل أو تقريب للأمر على منكري الكلام من الحشوية المقلدة، واستدلال بمعاني النصوص وليس بألفاظها فحسب (1371) ، وأيًّا كان التوجيه فالمهم هو أن الاحتجاج بالسمع من وجهة نظره لا يصح في تلك المسائل، التزامًا بفكرة الدور وحذرًا من الوقوع فيما يتناقض معها.
وحذا الغزالي حذو شيخه إمام الحرمين، فالعقل عنده أصل النقل، والتقسيم الثلاثي لمسائل العقيدة -والمعتمد على فكرة الدور- يبدو واضحًا في كتبه (1372) ، وكنموذج تطبيقي يمنع الغزالي من الاستدلال بالسمع على إثبات صفة الكلام لله سبحانه، وينتقد بشدة من سلكوا هذا المسلك، الذي يراه موقعًا في الدور حيث يستدل على الشيء بنفسه (1373) .