ومن أبرز الأشاعرة الذين اهتموا بفكرة الدور وركزوا عليها في مناهج استدلالهم فخر الدين الرازي، صاحب القانون الأشعري المشهور في التعامل مع الدليل النقلي، وسيرد معنا تفصيله فيما بعد إن شاء الله، وهو ينص على أن العقل ودلائله أصلٌ للنقل (1374) ، ولا يمكن أن يحتج بالسمع في كل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، كالعلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات ومرسلًا للرسل، وصحة الرسالات؛ وإلا وقعنا في الدور (1375) ، ومع اتفاق الرازي العام مع أصحابه في التقسيم الثلاثي إلا أن ثمة اختلافًا بينه وبينهم في بعض التفصيلات؛ حيث يميل إلى أن إثبات حدوث العالم مما لا يقتصر على العقل؛ بل من الجائز تحصيله سمعًا، وكذلك إثبات وحدانية الله تعالى؛ لأن ذلك كله من الأمور التي لا تتوقف صحة السمع عليها (1376) .
ويطول بنا المقام لو وقفنا تفصيلًا عند كل أئمة الأشاعرة المتأثرين بفكرة الدور، فقد عزا السبكي القول بموجبها إلى الأشاعرة والماتريدية جميعًا (1377) ، ويكفي أن نقرر استقرارها في المذهب ورسوخها في منهجيته من بعد الجويني، كما هو الحال عند الآمدي (1378) ، وابن العربي (1379) ، وابن خلدون (1380) ، وأبي إسحاق الإسفراييني (1381) ، والزركشي (1382) ، والإيجي (1383) ، وسعد الدين التفتازاني (1384) ، وغيرهم الكثير (1385) حتى نصل إلى كتابات المتأخرين المتأثرين بالنهج الأشعري كالشيخ الظواهري (1386) ، بل إن الشيخ محمد عبده يحكي اتفاق المسلمين كافة -إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه- على أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا عن طريق العقل، كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحي به إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما أشبه ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة (1387) ، وهذا هو القسم الأول من التقسيم الثلاثي الموجود عند المعتزلة والأشاعرة.
وثمة ملاحظات مهمة حول الموقف الأشعري من فكرة الدور، نعرض لها فيما يلي:
أولًا: ترتب على تبني جمهور الأشاعرة لفكرة الدور عدد من الآثار المنهجية البارزة، وهي تقترب كثيرًا مما وُجد عند المعتزلة، ولعل أبرزها شيوع التقسيم الثلاثي لمسائل العقيدة، والذي ابتدأه المعتزلة، ثم انتقل بحذافيره إلى الأشاعرة، ويعد الباقلاني أول من قال به (1388) ثم تبعه الجويني (1389) والغزالي (1390) ، والرازي (1391) والآمدي (1392) وبقية متأخري المذهب، وكان طبيعيًّا أن ينتج عن هذا التقسيم ظواهر مماثلة لما رأيناه عند المعتزلة، كقلة -وربما ندرة-