فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 584

الاستشهاد بالأدلة النقلية في أصول العقيدة ومسائلها، وانتقاد من يحتج بالنقل على مسألة منها، حتى صار ذلك من القواعد المرعية التي تساق مساق الحقائق غير القابلة للنزاع والمناقشة، مما اضطر الجويني للدفاع عن الأشعري والباقلاني في استدلالهما بالنقل على وجود الله تعالى (1393) .

وقد اعترض ابن العربي على الجويني حينما اعتمد على النقل في نفي النقائص عن الله سبحانه، داعيًا إلى التعجب من صنيع «رأس المحققين يعول في نفي الآفات على السمع، ولا يجوز أن يكون السمع طريقًا إلى معرفة الباري ولا شيء من صفاته؛ لأن السمع منه، فلا يُعلم السمع إلا به ولا يُعلم هو إلا بالسمع؛ فيتعارض ويتناقض» (1394) والغريب أن ابن العربي وسَّع نطاق ما لا يُعلم إلا عقلًا، فأدخل باب صفات الله بجملته، مع أن أصحابه يفرقون بين ما يتوقف السمع على ثبوته وما ليس كذلك، وللرازي والآمدي نماذج مشابهة يعترضان فيها على من استدل بالسمع في مسائل القسم الأول التي لا تعلم إلا بالعقل وحده.

وإذا أخذنا باب الأسماء والصفات وطريقة ثبوتها كمثال تطبيقي نتلمس من خلاله أثر فكرة الدور عند الأشاعرة- فسوف نجد نوعًا من الاختلاف بين الأسماء والصفات؛ فالأسماء الحسنى عند جماهير الأشاعرة توقيفية تفتقر إلى ورود الدليل السمعي ولا مدخل للعقل في إثباتها، وهذا ما اختاره الأشعري وابن فورك والجويني والغزالي وأبو علي السكوني، خلافًا للباقلاني، الذي جوَّز إطلاق ما لا مانع منه شرعًا ولا يُشعر بما يستحيل على الله سبحانه وتعالى (1395) .

وأما الصفات، فالمشهور عند متأخري المذهب تقسيم صفات المعاني -وهي الصفات السبع المشهورة- إلى عقلية: وهي ما تتوقف عليه المعجزة من الصفات؛ كالقدرة والإرادة والعلم والحياة، وهذه لا يصح الاستدلال عليها إلا بالعقل، ودور السمع فيها هو التأكيد فقط. وسمعية: وهي ما لا تتوقف عليه المعجزة من الصفات؛ كالسمع والبصر والكلام، ويمكن إثباتها بالسمع، وهذا كله خلافًا لمتقدمي المذهب؛ كأبي الحسن والباقلاني وغيرهما، الذين أثبتوا الصفات كلها بالسمع والعقل معًا، دون أن يفرقوا بين نوع وآخر (1396) .

ويلاحظ أن المذهب الأشعري كان مكثرًا من الاعتماد على النقل في منهج مؤسسيه الأوائل، ثم عدل الأتباع عن ذلك، وقلَّت درجة الاستشهاد به ابتداء من الباقلاني، وصحيح أنه كثيرًا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت