فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 584

احتج بالنقل في كتبه الكلامية -كالإنصاف- إلا أن مناقشاته العقلية برزت بوضوح في سياق إيراده للنصوص.

ولا يخفى دور الباقلاني في تطور المذهب؛ حيث عمل على بلورة أصوله ومحاولة بناء آرائه بناءً كلاميًّا واعتقاديًّا منظمًا، لا من حيث الطرق المنطقية والجدلية فحسب، وإنما من حيث وضع المقدمات العقلية التي تبنى عليها الأدلة؛ كالحديث عن العلم وأقسامه، وعن الوجود قديمه وحديثه، وعن الجوهر والعرض، وغير ذلك (1397) ؛ مما أثر بالضرورة على مساحة الاحتجاج بالنقل، ثم مالت الكفة بعده كمًّا وكيفًا نحو إيثار الأدلة العقلية، حتى وصلت إلى ذروتها عند الرازي ومن ساروا على منواله.

ثانيًا: على الرغم من تصريح أئمة الأشاعرة السابق ذكرهم بقبول فكرة الدور والالتزام بنتائجها إلا أنه ربما صدرت أقوال نظرية أو تطبيقات عملية من بعضهم تتنافى تمامًا مع تلك الفكرة، وقد أشرنا إلى كلام الباقلاني في إعجاز القرآن ورده على من منع إثبات الوحدانية بالقرآن، كما أن منهجه في «الإنصاف» يتعارض مع ما قرره نظريًّا في كتب أخرى، حيث يزاوج بين الأدلة النقلية والعقلية في كافة أنواع المسائل، حتى ما عدَّه المتكلمون من العقليات المحضة.

ويندرج تحت هذه الملاحظة ما وقع من خلاف في عدد من المسائل، وهل يصح أن تثبت بالسمع أم لا؟ ومن ذلك صفة الكلام، فقد منع الغزالي من الاحتجاج بالسمع عليها بحجة أنه يستلزم الوقوع في الدور (1398) ، بينما جوَّز الرازي (1399) الاعتماد على الأدلة النقلية؛ لأن التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكونه تعالى متكلمًا، وإذا أثبت الرسول أنه سبحانه وتعالى متكلم وصرحت النصوص بذلك كقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} فقد ثبتت صفة الكلام، وإذا علمنا بانتفاء ظهور المعجزة على يد الكاذب علمنا صدق الرسول، سواء تحقق وصفه تعالى بالكلام أو لم يتحقق، وأما الآمدي فقد اختلفت آراؤه، حيث وافق الغزالي في عدم إمكانية الاحتجاج بالنقل في «غاية المرام» ولكنه عاد في «أبكار الأفكار» فصحح دلالة السمع وإن كان لا يفيد اليقين، ونفى الوقوع في الدور (1400) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت