فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 584

واختلف الأشاعرة أيضًا في جواز الاحتجاج بالسمع على إثبات حدوث العالم وصفة الوحدانية، فمال الرازي (1401) والإيجي (1402) والتفتازاني (1403) إلى إمكان ذلك وعدم استلزامه الوقوع في الدور، ومنع منه آخرون، ولا يعنينا الترجيح بين القولين، وإنما غرضنا الإشارة إلى النزاع في تطبيق فكرة الدور والآثار الناتجة عنها داخل نطاق المذهب الأشعري.

ثالثًا: وُجد من بين الأشاعرة من لم يلتزم بفكرة الدور ولم يتقيد بنتائجها وآثارها، ويمكننا أن نلحظ هذه السمة عند من يعرفون بمحدثي الأشاعرة، وهؤلاء النفر يتمايزون عن بقية المذهب في نظرتهم لكيفية الوصول إلى معرفة الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي القضية الأساسية التي تُبنى عليها سائر مسائل العقيدة، وكانت بدورها أهم أسباب نشأة فكرة الدور.

ومن النماذج المعبرة عن هذا الاتجاه أبو سليمان الخطابي والبيهقي، وقد سلكا طريقتين مختلفتين عن المنهج الكلامي في إثبات التوحيد ومعرفة الله وصفاته (1404) ، وتتمثل الطريقة الأولى في البدء بالنظر في المعجزات الواقعة على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا استقرت في النفوس وثبتت في العقول صحت عند ذلك النبوة ووجب تصديق النبي في كل ما أنبأ به ودعا إليه من أمر الوحدانية والصفات وغيرها، وعلى هذا الوجه كان أكثر إيمان المستجيبين للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والعلم بالمعجزات مستنده الحس لمن شاهدها، والخبر المستفيض لمن غاب عنها، ومن ثَمَّ لا يحتاج إلى مزيد نظر وتفكر.

وتعتمد الطريقة الثانية -على ما هو مستقر في الفطر البشرية- من أن لكل صنعة صانعًا وإذا نظر الناس إلى أنفسهم وسائر المصنوعات، وما تشتمل عليه من آثار الصنعة ودلائل الحكمة؛ علموا يقينًا أن لها صانعًا، حكيمًا، عالمًا خبيرًا، تام القدرة، وبالغ الحكمة، وقد نبههم القرآن على هذا المسلك، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته؛ ومن ثم فهي طريقة شرعية عقلية، يشترك النقل والعقل في الحث عليها، والدعوة إلى انتهاجها، ولا يترتب عليها الإعراض عن السمع، أو القول بعدم إمكانية الاحتجاج به على هذه الأصول الكبار.

وللإمام القرطبي -المفسر المشهور- طريقة مباينة لما سار عليه متأخرو الأشاعرة في إثبات الصفات، فهو يثبت صفات المعاني السبع المعروفة عند الأشاعرة بالسمع والعقل معًا، وكثيرًا ما يورد الأدلة القرآنية الدالة عليها، دونما تفرقة بين ما يتوقف السمع عليه وما لا يتوقف؛ بل الكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت