فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 584

يجري على نمط واحد (1405) ، ويمكننا أن ندرج الإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني وأمثالهما في عداد هذا الاتجاه، الذي لم يظهر منه أدنى التفات إلى فكرة الدور، ولوازمها في مجال الاستدلال.

رابعًا: يوحي انتقال فكرة الدور من المعتزلة إلى الأشاعرة بإشارة مهمة، تدل على أن الخصومة الشديدة، والعداوة المستحكمة بين المذهبين لم تقف حائلًا دون علاقات التأثير والتأثر، والتواصل المتبادل في الآراء، ليس فقط في مسائل فرعية قليلة الأثر، وإنما في أساس منهجي خطير، يترتب عليه الكثير من النتائج، ولم يكن ذلك في مرحلة متأخرة من الفكر الأشعري؛ وإنما في فترة متقدمة، وعلى يد أحد أئمة المذهب الأوائل، الذين طوروا المذهب تطورًا ملحوظًا؛ وهو الباقلاني.

كذلك يدل هذا الانتقال على أن التوازن والمزيج المتعادل بين النقل والعقل، والذي حاول الأشاعرة مراعاته -قد مالت كفته نحو العقل في مرحلة مبكرة، ابتداء من الباقلاني، وليس من عند عبد القاهر البغدادي، أو ابن فورك (1406) ، وإن كان هناك تفاوت في الدرجة، حتى إذا وصلنا إلى الجويني ومن بعده الغزالي، والرازي، والآمدي ومتأخري المذهب، ازداد الميل نحو العقل، واقترب الفكر الأشعري بصورة واضحة من الفكر الاعتزالي، ولا يعني هذا انتفاء الفوارق بين المذهبين، أو اندثار الخصومات، والردود المتبادلة؛ وإنما نقصد التنبيه على ما حدث من تقارب منهجي، وازدياد في علاقات التواصل، أثر بدوره على درجة الاحتجاج بالدليل النقلي، والمكانة التي حظي بها في المصنفات الكلامية.

خامسًا: وتبقى نتيجة أخرى لها صلة بفكرة الدور، وقد اشترك المعتزلة والأشاعرة في القول بها؛ وهي الإعلاء من مكانة علم الكلام، واعتباره أشرف العلوم، وأجلها منزلة، وأخطرها أثرًا، وأعظمها فائدة، وأوجبها على المكلف، وبدون تحصيله أو الاطمئنان إليه لا يمكن الركون إلى عقيدة أو الوثوق في شرع ودين؛ بل إن العلوم الشرعية جميعها يمكن أن ينهار بناؤها؛ لأن علم الكلام هو الأساس النظري الذي تقوم عليه سائر تلك العلوم.

ومنشأ القول بذلك يعود إلى ما قررناه سلفًا: من أن العقل أصل النقل، ولا بد من معرفة الله وصفاته، ومعرفة صدق الرسول أولًا بطريقة عقلية، قبل أن نثبت صدق القرآن والسُّنَّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت