فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 584

وحجيتهما، ثم بعد ذلك تقرر سائر العلوم الشرعية، وبدون هذا الترتيب، لا يمكن أن نصل إلى التيقن الجازم من صحة أي علم شرعي، وهذه المراحل المتتابعة يتكفل علم الكلام بالقيام بإثباتها والبرهنة عليها.

وليس من العسير أن نتلمس شواهد من نصوص رجال المذهبين في بيان الحقيقة المتقدمة؛ فالجاحظ يبالغ أشد المبالغة في بيان علم الكلام وأهمية دوره، فلولاه «لم يثبت للرب ربوبية، ولا للنبي حجة، ولم يفصل بين حجة وشبهة، وبين الدليل وما يُتخيل في صورة الدليل، وبه تُعرف الجماعة من الفرقة، والسُّنَّة من البدعة، والشذوذ من الاستفاضة» (1407) .

ويصف الرازي علم الكلام بأنه «أفضل المعارف الدينية، وأشرف العلوم الشرعية» ، ويعتبره أساس غيره من العلوم الدينية، ورأسها ورئيسها، كما أن ضد علم الأصول هو الكفر والبدعة (1408) ، وتتكرر نفس المعاني عند جمهرة من الأشاعرة وغيرهم؛ كالآمدي (1409) والإيجي (1410) والتفتازاني (1411) ، وملا علي القاري (1412) ، وكنتيجة طبيعية لتلك المكانة التي وُضع فيها علم الكلام؛ أوجب رجال المدرستين تحصيله ومعرفته، والإلمام بمسائله، محتجين بأن معرفة الله عز وجل واجبة بإجماع المسلمين، ولما كان من غير الممكن -من وجهة نظرهم- أن يُتوصل إلى هذه المعرفة إلا عن طريق هذا العلم كان تحصيله واجبًا.

ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل انشغل المتكلمون بمسألة أول الواجبات على المكلف، وهي من المسائل التي اختلفت فيها آراء المذهبين، ونبه أبو جعفر السمناني -أحد أئمة الأشاعرة المتقدمين- إلى أنها بقيت في مقالة الأشعري من طور الاعتزالية الأول، وتفرع عليها وجوب النظر وعدم كفاية التقليد (1413) .

وقد ذهب أبو الحسن (1414) إلى أن أول واجب على المكلف هو معرفة الله، واختار الباقلاني (1415) أنه النظر، ورجح الجويني (1416) أنه القصد إلى النظر، وجَمَعَ بعض المتأخرين (1417) بين تلك الأقوال بأن أول واجب قصدًا هو المعرفة، وأول واجب وسيلة قريبة النظر، ووسيلة بعيدة القصد إلى النظر، مما يدل على أن الخلاف الموجود في المذهب ليس إلا مجرد خلاف لفظي، وهو ما أشار إليه الرازي (1418) ، وابن تيميَّة (1419) . وأما المعتزلة: فيذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت